مخاوف الإسـرائيليين رغم تطمينات السلطة!!

نشر 19 سبتمبر 2011 | 08:37

أجرى الجيش الإسرائيلي مناورة واسعة النطاق أسماها «بذور الصيف»، في قاعدة التدريب العسكري وسط الضفة الغربية المحتلة. وفي أثناء المناورة طرحت نماذج للتصدي لمظاهرات عنيفة والتدرب على التعاون بين القوات الإسرائيلية المختلفة. ونقل عن ضابط إسرائيلي كبير قوله إن «الصور القادمة من مصر أوضحت بأن الأسوار لا توقف الجماهير. نحن نستعد لإمكانية أن تحاول مجموعة من الفلسطينيين تكرار ما حصل في القاهرة، فيحطمون جدار الفصل ويبدأون في السير نحو المسجد الأقصى في القدس القديمة».

 

من الواضح أن الكيان الصهيوني الذي ما برح يشيد بالتنسيق الأمني من طرف السلطة، لا يبدو مطمئنا إلى عدم اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية رداً على عبثية برنامج السلطة وممارسات الاحتلال في آن، تماماً كما حدث في انتفاضة الأقصى التي شكلت رداً على فساد السلطة وفشل أوسلو واستفزازات الاحتلال.

 

ليس صحيحا بالطبع أن التدريبات تلك تتعلق بنشاطات المؤازرة لما يسمى استحقاق أيلول التي قد يقوم بها أنصار السلطة، وإن حسب لها الإسرائيليون بعض الحساب خشية تطورها على نحو لا تريده السلطة التي يثقون بنواياها.

 

من الواضح أنه ليس لدى الإسرائيليين تقدير دقيق حول إمكانية اندلاع انتفاضة تستلهم الربيع العربي، فهم من جهة مطمئنون إلى نوايا قيادة السلطة وإيمانها المطلق بالمفاوضات والمسار السلمي (جداً جداً)، لكنهم من جهة أخرى غير مطمئنين؛ لا لسكوت الشارع الفلسطيني على ممارساتهم الاستفزازية وفي مقدمتها الاستيطان وتهويد القدس، ولا لعدم تأثره بما يجري في المحيط العربي، هو الذي يشعر بارتباك الوضع الإسرائيلي بسبب التطورات المحيطة ومن ضمنها الوضع في مصر والمواقف التركية الجديدة.

 

في السياق الأول لا يكفُّ قادة السلطة عن تقديم الفواتير الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤكد التزامهم المطلق بالهدوء في الضفة، وذلك رغم حديثهم الخجول بين حين وآخر عن النشاط السلمي والفعاليات الجماهيرية الذي لا يعدو أن يكون مجاملة للجماهير.

 

في الممارسة اليومية للسلطة لا نعثر على التزام بالتنسيق الأمني الذي تؤكده لقاءات المسؤولين اليومية مع جنرالات العدو فحسب، بل نعثر أكثر من ذلك على التزام بالتصدي الحازم لأي تفكير في مسار الانتفاضة الشعبية، ونكرر الشعبية، وليست المسلحة. ويتم ذلك كما يعرف الجميع عبر مطاردة يومية لحركة حماس والجهاد وكل من يؤمنون بمسار المقاومة، ودفعهم بكل قوة نحو اليأس والقنوط، فضلاً عن مطاردة أي عنوان اجتماعي أو اقتصادي يمكن أن يدعم برنامج المقاومة، من المدارس إلى الجامعات والمساجد والجمعيات وسائر فعاليات المجتمع الفلسطيني.

 

واللافت هنا أن الاعتقالات اليومية لرموز المجتمع الفلسطيني لم تتوقف على الإطلاق رغم دعايات الحرص على المصالحة، وهي اعتقالات تتناغم مع اعتقالات يومية يقوم بها الجيش الإسرائيلي في سائر مناطق الضفة، بما في ذلك المناطق (أ) التي تسيطر السلطة أمنيا على جزء كبير منها (21 من نواب المجلس التشريعي معتقلون لدى سلطات الاحتلال، 18 منهم من حركة حماس).

 

يتم ذلك وسط إدراك قادة السلطة وقادة الاحتلال لحقيقة أن «النضال الدولي» لتحقيق حلم الدولة العتيدة (دولة ما قبل التحرير) لا يبدو مقنعاً للغالبية من أبناء الشعب الفلسطيني الذين لا يرون أن المعركة مع الاحتلال ستحسم في الأروقة الدولية المنحازة للكيان الصهيوني، وإنما ستحسم على الأرض، فضلاً عن حقيقة المخاوف التي تطرحها حكاية الدولة لطبيعة النزاع ومصير منظمة التحرير، فضلاً عن ملف اللاجئين الذي يعلم الجميع أن السلطة قد تنازلت عنه عملياً كما أثبتت وثائق التفاوض التي لم ينكر القوم مضامينها، بخاصة فيما يتصل بهذا الملف (ليس لدى أصحاب المشروع من مبرر للاحتفال به وترويجه سوى رفضه من نتنياهو، متجاهلين أن سياسة الرفض الصهيونية أو التحفظ ووضع التعديلات قد طالت جميع القرارات والمشاريع الدولية منذ عقود، وذلك رغم ما تنطوي عليه من تنازلات فلسطينية وعربية).

 

من هنا، ورغم عملية الحصار التي تتم لفكر وبرنامج المقاومة، وعملية إعادة تشكيل الوعي التي تجري للناس في الضفة الغربية لكي يستبدلوا التحرير بالدولة الوهمية، والرواتب والاستثمارات بالوطن والكرامة، إلا أن الصهاينة لا يقتنعون بقدرة ذلك المؤكدة على الحيلولة دون اندلاع الانتفاضة التي تتنفس هواء الربيع العربي بثوراته وبطولاته، وهم لذلك يعدون العدة لمواجهتها دون كلل أو ملل.

 

والحق أن أحداً لن يكون بوسعه الجزم بتوقيت اندلاع الانتفاضة، أعني الانتفاضة الشعبية الشاملة التي تتحدى حواجز الاحتلال وجنوده ومستوطنيه وتعيد ترتيب أوراق القضية على نحو مختلف، لكن المؤكد أن الفلسطينيين لن يقبلوا طويلاً بهذا العبث القائم حالياً، حتى لو قبل به أناس لم يعد لديهم غير خيار التفاوض والقبول بفتات الاحتلال ما دام يأذن لهم بالحركة وممارسة القيادة، ولأبنائهم بالاستثمار ومراكمة الأموال.

 

مجرد خبر: في محاضرة له يوم الخميس في مركز هرتسيليا، قال عاموس غلعاد رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية: « لقد حاربنا التنظيمات الفلسطينية زمناً طويلاً، ولقد فشلنا أيضاً في ذلك زمناً طويلاً، حيث كان المخربون يتحركون بحرية في "إسرائيل"، ولكن في نهاية الأمر استطعنا أن نحد من هذه الظاهرة ونحن نعيش اليوم بأمن، وكل ذلك بفضل العلاقات الأمنية مع السلطة الفلسطينية».