ثلاثة لكل مواطن

نشر 19 سبتمبر 2011 | 08:32

 وأخيرا تكلل كفاح طبقة المعلمين المسحوقة بشيء من الانجاز، وقد يرى مشروع نقابتهم، التي ناضلوا لأجلها وتحملوا العقوبات وقرص الأذن ولي الذراع، النور قريبا. ولعل النقابة تكون لهم عصا موسى فتنفلق عن بر أمان في خضم الأمواج الاقتصادية العاتية التي أتت على آخر ذرة احترام وثقة في نفوس الأساتذة، وغيرت نظرة المجتمع لهم!

 

بل إن الاحباط الذي يعانيه الأساتذة انعكس على المحيط المدرسي، فانتشر العنف والتسرب وقل التحصيل العملي، وأصبحت بعض المناطق الأقل حظا في العاصمة والمحافظات تعاني من أمية وجهالة ما بعد التعليم، وبعض المدارس لم ينجح فيها أحد على مدى سنوات في امتحانات الثانوية العامة!!

 

وفي العادة يكون أول من نوجه إليه أصابع الاتهام هو المدرس، وننسى أن التعليم منظومة متكاملة فيها معلم ومدرسة ومنهاج وطلاب وبيئة تدريسية، وهذه كلها لن تؤتي أكلها إذا كان أهم عنصر فيها وهو المعلم مطحونا مسحوقا معوزا، فأستاذ يعيش تحت خط الفقر لن يبالي بدوام المدرسة ولن يبذل جهده في الصف، بل سيبحث عن مصادر دخل أخرى كالدروس الخصوصية، فهو بالنهاية مثل بقية الخلق يريد أن يعيش، وعندما يتخلى المعلم عن دوره في التعليم فهو بالتأكيد يتخلى عن دوره في التربية، وعندما تخلو المدارس من التربية والتعليم ستصبح كالإصلاحيات تعلم الطلاب ثقافة الشوارع، ولكم رأينا المدخنين والمتسكعين من الطلبة على أبواب مدارسهم ومدارس البنات فاسدين ومفسدين لغيرهم!

 

المدرسون الذين نكل اليهم تعليم وتربية أبنائنا والأجيال القادمة في مجتمعنا الفتي، الذي يجلس فيه حوالي مليون و700 ألف طالب على مقاعد الدراسة، لا يتوفر لهم العيش الكريم ويرزح معظمهم تحت وطأة الديون بينما نغدق على لاعبي الكرة ثلاثة آلاف دينار، وبضربة قدم يحصّل لاعب الكره أضعاف ما يحصله المدرس شهريا!

 

نعم الدنيا أرزاق، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو سبحانه عدل بين عباده جعل لمن يكد ويعمل ويتعب نصيبا ولم يحرم حتى المتكاسلين، وجعل للعلماء والمتعلمين مكانة وفضلا في الدنيا والآخرة، وما نقص قدر المعلمين الا في عرف الجهّال!

لسنا نبهت لعيبة كرة القدم رزقهم، فهم أيضا يكدون في رياضة أصبحت أفيون الشعوب والمتابعون لها والمتناحرون من اجلها بالملايين، ولكننا نطالب بالعدالة والاستثمار في أصحاب العقول لكيلا تصبح أقدامنا أغلى من رؤوسنا، وبدل أن ترتقي بنظرنا الى السماء يصبح بصرنا دائما معلقا بالأرض!

 

وفي جانب الوفرة التي يبدو أنها تغمرنا جزئيا وتذهب الى غير مستحقيها فقد خصصت الحكومة ثلاثة آلاف دينار للنواب بمثابة أعطيات (ما من وراها جزية!!) لمعالجة حالات الحاجة والفقر في دوائرهم الانتخابية، ولا نعرف كيف قبلنا هذا التفسير والمنطق السطحي لهذه المبالغ وغابت الحقيقة الأوضح في استخدام هذه المبالغ في استقطاب النواب، والأكيد أنها نفعت عندما صوت المجلس بشبه إجماع للحكومة وأصبح يعرف تندرا بمجلس 111، فالذي يمد يديه ليأخذ لا يستطيع أن يمد لسانه بغير نعم، كما نفعت في شراء الولاء والأصوات لهؤلاء النواب في المناطق الانتخابية، وإلا فلماذا هذه الأعطيات من الأصل وهناك وزارة مخصصة بميزانية مخصصة لمعالجة حاجات المواطنين وهي التنمية الاجتماعية، وما خفي كان أعظم!!!

 

في بريطانيا أدت مثل هذه الفضيحة التي عرفت "بفضيحة النفقات" عام 2009 الى استقالة النواب الذين تورطوا بتقاضي مبالغ فوق مستحقاتهم البرلمانية وكان بعضهم حمل خزينة الدولة 19 جنيها ثمن باروكة و141جنيها ثمن رعاية مباراة، وهذه المبالغ البسيطة كانت سببا في خسارة حزب العمال للانتخابات، ولكن الشعب لم يرحمهم، وبالمقابل في بلادنا عند الفضائح يسقط الشعب ويبقى المسؤول!!

 

عندما تولى أبو بكر الخلافة قال له الصحابة، "نفرض لك بردين ان أخلقتهما وضعتهما وأخذت مثليهما، وظهرك (أي دابتك) اذا سافرت، ونفقتك على أهلك كما كنت تنفق قبل أن تستخلف، فقال: رضيت"!!!

 

ما بين أقدامنا الممدودة وأيدينا الممدوة كيف يا ترى يكون المستقبل، وكيف نحسن أحوالنا المادية؟!

إما أن تكون "فتبولجي" (من فتبول) تعيش بأقدامك، أو نوّبجي" (من المتسلقين بالنيابة) تعيش بيديك، وإما أن تعيش بمبادئك وهي لا تطعم الكثير ولكنها خير عند الله وأبقى!!!