كلمة تصيب في مقتل

نشر 18 سبتمبر 2011 | 07:59

كعادتها لا تنفك المنظمات النسوية في الأردن، حكومية وغير حكومية، بإثارة الزوبعات في كل ما يختص بالقوانين المتعلقة بالمرأة والمؤثرة بالطبع على الأسرة، اللبنة الأهم في كيان المجتمع، ويهون الأمر لو كانت هذه المنظمات مدفوعة برغبة صادقة وانتماء وطني، ولديها تفويض نسائي أردني يخولها ويعطيها المصداقية للدفاع عن قضايا المرأة الأردنية، إلا أن القضايا والمنعطفات المختلفة تثبت أن هذه المنظمات والمؤسسات التي تحظى بتمويل أجنبي مرتبط بأجندات غربية وأممية، ولا تقتصر على التمويل الوطني، ليست أكثر من أذرع وجماعات ضغط لتنفيذ المعاهدات الدولية التي وقعت عليها الحكومات في غفلة من الشعب عن مخاطرها وسلبياتها.

 

ولما لم تنجح المنظمات النسوية في الأردن، بالرغم من الحملة المستميتة التي قادتها لتغيير قانون الأحوال الشخصية بما يتفق بالذات مع معاهدة سيداو ومطالباتها، وصمد أساتذة الفقه والقضاء والاجتماع لكل الضغوط التي مورست عليهم من قبل النسويات، بل أخرجوا للمجتمع الأردني نموذجا قانونيا فريدا مستنيرا بروح الأصالة والمعاصرة، آخذا بتعدد الآراء الفقهية تحقيقا للمصالح العليا في إعطاء كل ذي حق حقه، سواء أكان ذكرا أو أنثى، رجلا أو امرأة، زوجا أو زوجة، وكذلك الأبناء بما يكفل صيانة الأسرة وأفرادها في حالة قيام الزواج، والخروج بأقل الخسائر في حالة انفكاك الرابطة الزوجية.

 

وقد وجدت المنظمات النسوية الفرصة مواتية للنفاذ مرة أخرى إلى القانون والمجتمع الأردني عندما طُرحت التعديلات الدستورية، وتحركت جماعات الضغط أثناء مناقشة التعديلات وبعد صدورها وأثناء مناقشتها في البرلمان، وكادت تنجح في إيجاد ثغرة بالعمل على إضافة كلمة الجنس على المادة 6 من الدستور والتي تنص "الأردنيون أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين" بحجة أن المادة بوضعها الحالي لا تشمل الإناث وتعكس تمييزا دستوريا واضحا بين الأردنيين والأردنيات يتمثل في قضية الجنسية وعدم قدرة المرأة الأردنية المتزوجة من غير أردني على منح جنسيتها لأولادها، وما يتبع ذلك من حقوق وامتيازات المواطنة.

 

والغريب أن الكثيرين ركبوا الموجة النسوية وغردوا في ذات السرب من رجال الدولة والسياسيين وعامة الشعب، متناسين أنه بحسب المعنى اللغوي؛ فإن كلمة الأردنيين تشمل الذكور والإناث، وأن الأصل في النص الدستوري وهو أعلى منزلة من القانون أن يكون محكم العبارة، واضح التأويل، وأن أي إضافة أو تعديل لا يؤدي غرضا ليس الا من باب الحشو والتقعر وزيادة اللبس الذي لا يناسب لغة القانون.

 

ومطالبة المنظمات النسوية بإضافة كلمة الجنس أو ما يدل على التفريق الواضح بين الذكور والإناث ليس مطالبة بريئة وليدة اللحظة، بل هي حلقة في سياق أممي غربي يهدف لإقحام المعاهدات والنظريات النسوية في مجتمعاتنا، وهي نظريات تقوم على المفاصلة والمحاصصة والقسمة لدرجة الحرب بين كل ما يخص النساء ومقابله مما يخص الرجال، واعتبار كل ما لا يؤكد فردية المرأة وحقوقها الشخصية بمعزل عن أدوارها كأم وزوجة وابنة يقع في باب التمييز وعدم المساواة التي جاءت الاتفاقية سيئة السمعة المعروفة بسيداو التي ترجمت تضليلا وتجاوزا الى اتقافية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة لتعالجه وتقضي عليه!!

 

والمتتبع لأدبيات المنظمات النسوية واتفاقية سيداو وبكين والأهداف الإنمائية للامم المتحدة والمؤتمرات السكانية والخاصة بالمرأة والأسرة؛ يجد أن كلمة الجنس تأتي ضمن حزمة أخرى من المفاهيم لها تبعات قانونية ودينية واجتماعية، فعلى سبيل المثال كل ما لا ينص صراحة على المساواة الكاملة بين جنس الإناث وجنس الذكور يعد تمييزا واجب المحاربة والإلغاء، وبهذا يعد قانون الإرث المستند الى الشريعة الإسلامية الذي يعطي في القاعدة العامة الذكور مثل حظ الأنثيين تمييزا واجب التغيير، وهذا طعن في الدين وتبديل لكلام الله بقوانين وضعية مع جهالة أن هذه الحالة من الميراث هي أحد الحالات، وهناك أخرى تتساوى فيها الأنثى مع الذكر وأخرى تأخذ أكثر منه.

 

وكلمة الجنس المكونة من ثلاثة حروف قد يكون لها أبعاد خطيرة في تنحية العمل بالشريعة، وبرغم الحجج التي يسوقها المدافعون عن المنظمات النسوية من وجود قانون خاص يكفل الاحتكام لقانون الأحوال الشخصية الشرعي في قضايا الأسرة، الا أن وجود نص دستوري يقر بتساوي الذكور والإناث على الإطلاق يعد ثغرة ومنفذا فوق سلطة القانون، بل إن القانون قد يُلغى إذا تعارض مع الدستور!

وكلمة الجنس في الأدبيات النسوية والأممية والمعاهدات تستخدم للدلالة على الذكر والأنثى، وهي في طريقها للاستبدال بكلمة الجندر GENDERوالتي تترجم خطأ الى العربية بكلمة الجنس إخفاء لمعناها الذي يسعى لإبطال مفهوم الذكورة والأنوثة، بالإشارة الى الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية لا علاقة لها بالاختلافات العضوية (البيولوجية)، وهذا يفتح الباب لقبول الشواذ وهذا ما حصل في المجتمعات الغربية، حيث أصبحوا معتبرين أمام القانون ويعاملون معاملة الأسوياء ويجرم كل من يسيء أو ينتقص منهم!!!

 

ويشمل مفهوم الجنس كذلك الصحة الجنسية SEXUAL HEALTHوالدعوة الى حرية العلاقة الجنسية FREEDOM OF SEXUAL RELATIONSHIPواعتبار ذلك من الحقوق الإنسانية غير المقصورة على المتزوجين شرعيا، وهي كالغذاء وحق لكل الأفراد من كل الأعمار ودون ضوابط، ويرتبط بذلك الدعوة الى الجنس الآمن والإجهاض الآمن SAFE SEX, SAFE ABORTIONويعتمد على نشر وسائل منع الحمل ذات النوعية الجيدة ومنع حالات الحمل غير المرغوب فيها والدعوة الى منع الحمل المبكر، أما ما يتعلق بالجنس والجانب التعليمي SEX EDUCATIONفتدعو الاتفاقيات والتوصيات النسوية الى تثقيف المراهقين جنسيا فيما يتعلق بفسيولوجية الإنجاب والصحة الإنجابية والجنسية لتفادي الأمراض المنقولة جنسيا، فالمشكلة فيما يعرضون من طروحات ليست في ممارسة العلاقات الجنسية غير المشروعة ولكن في نقص المعلومة الجنسية LACK OF SEX INFORMATION.

 

وهذه كلها -من أول تغيير القوانين والتشريعات الى تغيير الدين والثقافة والبنية الاجتماعية- قد يتحقق إذا أوجدنا لها مسوغا دستوريا بإضافة كلمة الجنس الى مواد الدستور.

 

وقد آن للمنظمات النسوية أن تصارح المجتمع الأردني والمرأة الأردنية على وجه الخصوص بسلبيات هذه المعاهدات والطروحات وما يدور وراء الكواليس وفي الغرف المغلقة، وآن للمجتمع الأردني أن يعي اختباء المنظمات النسوية وراء قضية إنسانية كمنح المرأة الأردنية الجنسية لأولادها، وأنهم يأخذونها كذريعة لتطبيق ما أوكل اليهم من قبل منظمات الأمم المتحدة التي تطالبهم بكتابة تقارير سنوية وتقارير ظل SHADOW REPORTSعن تقدم الاردن في مجال التطبيق  المعاهدات.

 

نعم نريد التغيير وإعطاء الحقوق وإنهاء المعاناة، ولكن هذه كلها يجب أن تكون ممهورة بإرادة أردنية منتمية واعية لأبعاد الدين والثقافة وخصوصيات المجتمع تعمل بوازع من ضمير يراقب الله، ويحثها انتماء وحرص على الوطن والمواطن لا يرضخ للضغوطات ولا يبيع ذمته. نعم هي كلمة صغيرة من ثلاثة حروف، ولكنها كلمة لو أُسيء استخدامها ستصيبنا في مقتل، ومعظم النار من مستصغر الشرر.