الأمة بين «القدر» و «الاستخفاف» (2)

نشر 18 سبتمبر 2011 | 07:58

 هذه الأمة عظيمة عند الله غالية عليه عزيزة كريمة في ميزانه، وهي خير أمة، وهي الأمة الوسط كما شهدت الزهراوان. لكنها ليست معصومة من الوقوع في العلل والأمراض التي تعتري الأمم، وأخطر هذه الأمراض فيما أرى أن يتسلط فرد عليها فيلغيها، أو يهمشها في حين يتضخم هو وتتضخم سلطاته، فتعود قيصرية أو كسروية أو فرعونية أو هرقلية. ومما يمنع هذه الخفة والغثائية والزبَدية: التمسك بالدين العظيم، والاعتصام بحبل الله المتين، فمثل هذا التمسك مانع من الخفة والسفه والرعونة والطيش وانعدام الوزن.

فبالدين كان لهذه الأمة وزن وثقل ووظيفة عظمى هي الشهادة على الناس، وما أعظم كلمة قالها الفاروق للأمين أبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين: يا أبا عبيدة نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

 

ومن موانع الخفة والخسة: العلم والعلماء. فإذا انتزع العلماء وضاع العلم ضاعت مثقّلات الأمة. فالعلماء هم المأرز الذي يأرز إليه الناس ويُفزع إليه في الأزمات والخطوب، وهم المرجعيات التي يرجعون إليها إذا أظلمت وغامت الدروب.. وهل ينسى التاريخ سلطان العلماء بائع الملوك: العز بن عبد السلام؟ وابن تيمية رحمه الله عالم عامل مجتهد مجدد مجاهد، لا يمكن أن ينسى دوره وجهاده وعلمه ورجوع الأمة إليه، ولسنا نعدد ولا نحصي. ومن وزن العلماء كانت الأمة تكتسب ثقلاً ووزناً. فقد كان الرشيد يسكب الماء على يدي أبي معاوية الضرير العالم النحرير. ولا ينسى سعيد بن جبير، ولا الحسن البصري ولا ابن المسيب ولا مالك ولا الإمام الأعظم ولا أحمد بن حنبل، جبل الصمود في وجه فتنة خلق القرآن. ولسنا نعدد كما قلت. وهل ينسى الزمان عمرو بن عبيد؟ الذي قال فيه الخليفة:

كلهم يمشي رويد

كلهم طالب صيد

غير عمرو بن عبيد

 ومن أسباب إعطاء الأمة وزنها أن تظل مصدر السلطات، وأن تستشار في كل أمر صغر أم كبر. ومن تأمل القرآن وجد سورة باسم سورة الشورى متميزة على كل سور القرآن بأن فاتحتها "حم عسق" خمسة حروف في آيتين، وهذا ما لم يتكرر في القرآن، وكأنها بتميزها تشير إلى تميز الأمة التي تريد أن تنشئها سورة الشورى.

 

ومع الوقت وبالتدريج تراجع دور الأمة وتقدم دور الفرد المتسلط، ومع الزمن ووفق الخطة المتدرجة أو المتدحرجة إياها جرى تضخيم الفرد الذي تضخمت ذاته "وأناه" حتى التأله والتأليه، والقذافي نموذجاً. وإذا عظّمت الأمة غير الإله العظيم فقد صغُرت وحقُرت وعثرت واندثرت. هذا ليس خطاً أحمر، كما يقولون، فحسب. لا إنها مسألة إيمان وكفر، حياة أو موت، وجود أو عدم، "قدْر" أو "استخفاف" طغيان أو عدل، جنة أو نار، تقدم أو تخلف، شورية أو سورية، إسلامية أو جاهلية، عدل أو ظلم، شعبية أو إلغائية للشعب، إنها كل ذلك.. إنها القيادة للعالم أو الانقياد لأحقر من في العالم: الصهيونية العالمية راعية الدكتاتورية، والمتبجحة دوماً بأنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في غابة التوحش الفردية العربية، التي يزعم منظروها المرتزقة أنها لا تصلح للديموقراطية والاستقلال وأن تتولى أمرها. فهل يصلح الفرد أيها المنافقون؟ أوليس هو من الأمة التي لا تصلح فما لكم كيف تحكمون؟ ونقف وقفة عجلى أرى أنه لا بد منها في بيان معنى "قدر" في المعجمات، وكذا معنى خفف وخف و "استخفَ" فإلى اللغة:

 

"قدر" في اللغة

 قال في المعجم الوسيط: قَدَر الشيء قدْراً: بيّن مقداره. ويقال: قَدَر فلاناً: عظّمه. وفي التنزيل العزيز: "وما قدروا الله حق قدره.." والقدْر: المقدار." أ.هـ. بإيجاز.

وقال في "تاج العروس" وأختصر جداً فمقدار ما كتبه في معنى "قدر" لا يتسع له المقام الموجز هنا، ومما قال: القَدَر: القَضَاء. ومبلغ الشيء كالمقدار. وفسر قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره": ما وصفوه حق صفته. وبعد قليل قال في معناها: "ما عظموا الله حق تعظيمه." وهو قريب متآلف، وليس ببعيد ولا متخالف.

 

ونواصل مع تاج العروس في معاني "قدر"، قال: والقدْر: الحكم: "إنا أنزلناه في ليلة القدر" "فيها يفرق كل أمر حكيم" وقدر الرزق: قسمه. والقدْر: الغنى واليسار. والقدر: القوة. يقال: رجل ذو قدرة ومقدرة. والاقتدار على الشيء: القدرة عليه. وهو قادر وقدير ومقتدر. وأقدره الله على كذا: جعله قادراً عليه. والقدر: التعظيم "وما قدروا.." الآية. والقدر: التدبير. والقدْر: الوسط. والتقدير: التفكير. "إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر." والتقدير: التدبير: "قد جعل الله لكل شيء قدراً." ومن أسماء الله الحسنى: القادر والقدير والمقتدر وهو أبلغها. وفي "البصائر": القدير: الفاعل لما يريد، على قدر ما تقضي الحكمة لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه.

 

وفي "الأساس": صانع مقتدر: رفيق بالعمل. والأمور تجري بقدر الله، ومقداره، وتقديره، وأقداره، ومقاديره. والقدر: الشرف والعظمة. وفرس بعيد القدر: بعيد الخطو" (قلت: ولعل مربط الفرس في معنى قدر، وكل المعاني كذلك، لكن أهمها في ما نحن فيه ما ذكره آخراً: الشرف والعظمة.. وبعد الخطوة. فهو الذي يعنينا أكثر في حال الأمة..)

 

قال التاج: والتقدير: العلم والحكمة. ومنه قوله تعالى: "والله يقدر الليل والنهار". وغلام قُدُرّ (كعُتُلّ وزناً): التام الشديد المكتنز. والقُدار: الغلام الخفيف الروح الثّقِف اللّقف.  وفي الحديث: " فإن غم عليكم فاقدروا له." وفي الحديث كذلك: "كان يتقدّر في مرضه." أي يقدر أيام أزواجه في الدور..الخ. أ.هـ، من تاج العروس بتصرف واختصار 7/204-211.

 

الاستخفاف في اللغة

 أما الجذر "خفف" فقال صاحب اللسان في معناه: خفف: الخفة (بفتح الخاء وكسرها): ضد الثقل والرجوح، يكون في الجسم والعقل والعمل. خف يخف خَفّاً وخِفة: صار خفيفاً. فهو خفيف وخُفاف (بضم الخاء) وقيل: الخفيف في الجسم، والخفاف في الذكاء. وجمعها خِفاف. وقوله عز وجل: "انفروا خفافاً وثقالاً" قال الزجاج: موسرين أو معسرين. وقيل: خفت عليكم الحركة أو ثقلت. وقيل: شباناً وشيوخاً. وقيل: ركباناً ومشاة. (ونقول: كل ذلك وغير ذلك).

 

والخِف (بكسر): كل شيء خف حمله. وخف المطر: نقص. واستخف فلان بحقي: إذا استهان به (وما استخف بنا وبحقنا أحد كالصهاينة..) واستخفه الفرح. واستخفه الطرب وأخفه: إذا حمله على الخفة وأزال حلمه. (وعندما استخفنا الطرب فقدنا الأندلس) واستخفه: طلب خفته. (معنى خطير. أن تقصد الخفة لشخص أو جماعة أو يتعدى ذلك إلى الأمة برمتها كما حصل مع فرعون وشعب مصر، ومبارك وذات الشعب، ومن قبله السادات حين وقع عن شعب مصر في كامب ديفيد، بينما "بيجن" قال: لا أوقع حتى أرجع إلى شعب إسرائيل! فتأمل).

 

وفي التهذيب: استخفه فلان إذا استجهله محمله على اتباعه في غيه، ومنه قوله تعالى: "ولا يستخفنك الذين لا يوقنون" قال الزجاج: معناه لا يستفزنك عن دينك أي لا يخرجنك الذين لا يوقنون لأنهم ضُلال شاكّون. وفي التهذيب: لا يستفزنك ولا يستجهلنك. ومنه "فاستخف قومه فأطاعوه" أي حملهم على الخفة والجهل. يقال: استخفه عن رأيه واستفزه عن رأيه: إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب. واستخف به: أهانه.

وقوله تعالى: "تستخفونها" أي يخف عليكم حملها. والنون الخفيفة خلاف النون الثقيلة. والمخِف: القليل المال. وفي حديث ابن مسعود: أنه كان خفيف ذات اليد أي فقيراً قليل المال. ونقف عند الفقر من معاني خفف حتى لا نطيل.

 

أما الفقر أوالإفقار فخطة معتمدة متعمدة لإلهاء الشعوب أو لإلغاء الشعوب. فالبحث عن رغيف العيش يستغرق ساعات، والبحث عن أسطوانة الغاز (في بلد كمصر منتج للغاز) يستغرق ساعات، فهل بقي عند المواطن وقت يبحث فيه عن كرامة وحرية وعزة. على أن الإفقار سلاح ذو حدين، فما لبث الذين اعتمدوه منهجاً أن اكتووا بنار الشعب الذي أفقروه.. فثوروه! وهل لازلتم تذكرون كلام وزير الطاقة المصري في عهد مبارك (غير المبارك) إذ قال: هل نسيتم "الجلة"؟ فلم الإصرار على الطبخ على الغاز؟ والجلة يعرفها المعتقون من أمثالنا، وهي ما كانت تجمعه جداتنا وأمهاتنا من روث البقر لتشعل به الطابون وتجعله وقوداً له. يريد معالي الوزير أن يعيد أمهاتنا في مصر إلى الجلة.. بينما يستمتع الغاصبون بغازنا ونفطنا بربع القيمة. ما سر هذا الغرام بأولاد الحرام؟

 

 من هنا غرقت معظم الدول في الديون فصارت الشعوب تستهلك كل طاقتها لا في سداد الدين وإنما في سداد فوائد الدين، والديون تتراكم وتتعاظم وفق الخطة الجهنمية: جوّع كلبك يتبعك، سمّن كلبك يأكلك. فلتجعل هم الشعب رغيف العيش! فخفة الأرزاق التي عبر عنها ابن منظور صاحب اللسان بخفة ذات اليد (ليس النشل!) (ذاك خفة يد!) هي في هذا الزمن خطة.. أو جزء من خطة: خفة.. تنتج الخفة. أعني خفة الأرزاق تنتج خفة في الأخلاق. هكذا تخطط الأمور. "ويمكرون ويمكر الله".

أما كيف نعيد للأمة قدرها ووزنها فهذه قضية عظمى ينبغي التفكير فيها ملياً، وبذل الجهد فيها، والتدبير لها والتخطيط لتحصيلها، لأن العقبات في سبيلها كثيرة وكؤود.

 

ويبدو أن نقطة البداية في الحالتين: الوزن وانعدام الوزن، والقدر وانخساف القدر، وكون الأمة مصدر السلطة، أو كونها متفرجاً على انتهاك كل حقوقها ووجودها، يبدو أنها بداية واحدة: القيادة في الحالتين. ولذلك جاء في فاتحة الإسراء بعد آية الإسراء مباشرة ما أسميه: قانون تشكل أو تشكيل الأمم، وهو قانون مثلث الأضلاع: قائد ومنهاج وشعب أو أمة. واستمع إلى آية الإسراء: "وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل.." أرأيت العناصر الثلاثة؟

 

 وفي سورة القصص بعد أن تكلم الله عن المن على الذين استضعفوا في قوله: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم.." قال: "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه" كان التاريخ يصنع من مهد طفل يرضع! إنها صناعة القيادة في أتون المحن والتحديات، كما صنع يوسف من الجب إلى السجن مروراً بعدة فتن!

وأما الشعب في حالة الأمة العربية الآن فموجود وإن احتاج إلى صقل وصياغة، لكن خامته طيبة. وأما المنهج فيحتاج إلى شرح وتفهيم وتفصيل.. وأما القيادة فهنا مربط الفرس، وهنا معقد المشكلة. وللحديث عود.