عندما حدثت مجزرة مدينة «حماة» السورية في منتصف الثمانينات، لم تكن وسائل الاعلام والاتصال والفضاء الحر للصوت والصورة والحروف بلغت ما وصلت اليه من تقدم مذهل ومتوافرة بيد أي إنسان، ومن ثم لم يكتشف الناس تفاصيل المأساة سوى ان (30000) قد قتلوا مع آلاف الأيتام... وأذكر وقد كنا شبابا ان جريدة القبس ويومها وضعت خبر تقدم الدبابات لدك حماة في الصفحة الأولى، بالمانشيت العريض، ثم جاءت الضغوطات لتنهي الموضوع.
المشهد الثاني أيضا في الثمانينات عندما قام (عراق البعث) بضرب الأكراد في مدينة (حلبجة) الكردية بالكيماوي... وقتها أعلنت ثمان أو تسع وكالات أخبارية بأن العراق هو الذي ضرب الأكراد بالكيماوي إلا وكالة واحدة قالت ان المتسبب في هذه الجريمة هي (دولة إيران)، أتدرون أي وكالة أنباء التي انفردت بإلقاء التهمة على إيران... انها وكالة الأنباء العراقية!!
ومن المعروف في التعاطي الاعلامي الاخباري مع مصادر الاخبار للدول المتحاربة انها تستبعد او تحجم الاخبار المتضاربة للوكالتين التابعتين للدولتين الأعداء.
وبهذا كان هناك شبه إجماع على ان العراق هو مرتكب جريمة الضرب الكيماوي للأكراد... والعجيب ان دول الخليج كانت تنقل خبر وكالة الأنباء العراقية وتصدره على انه الأقوى، بل ان الاعلام الكويتي اكتفى يومها برواية الخبر العراقي واستبعد الوكالات الأخرى... الى ان جاء غزو العراق للكويت ففتح الملف وخرجت أفلام الفيديو!!
اليوم وفي ظل ثورة الاتصالات وتقنياتها المتناهية وانتشارها وتوافرها لدى الجميع لم يعد الناس في حاجة الى وكالات ولا مصادر دولية لكي نتوثق من الأحداث إلا بقدر مطلوب على انها قرائن مساعدة ومعززة لما يصورونه هم ليشاهده الجميع على اليوتيوب وغير ذلك.
في ظل هذا الواقع الاعلامي الجديد يصبح كذب السلطة مكشوفا ومضحكا... ولعل مقاطع الفيديو التي انتشرت في ما يخص الثورة السورية لها طابعها وأثرها الخاص وتميزها عن بقية الثورات من حيث الكمية والنوعية، ما أحرج كل من يدافع عن طغيان النظام السوري في الداخل والخارج.
وكان آخر مهازل الجرائم التي مارسها جنود البعث الصور والفيديو التي يتسلى من خلالها الجنود بتصويب رشاشاتهم على قطيع من الحمير البلدية ويردونها على الأرض، بعدما لم يجدوا بشرا يعبثون بدمائهم ودينهم.
ولما أرسلت الخبر عبر تويتر جاءتني تغريدات عجيبة منها «كيف يقتل الحمال أخاه الحمار» و«هل بين الحمير أيضا مندسون وإرهابيون»...
ومن المعلوم ان الأديب توفيق الحكيم أشهر من اهتم بالحمار في الأدب العربي المعاصر فأصدر عام 1940م «حمار الحكيم» ثم «حماري قال لي» 1945م وختم مؤلفاته عن هذا الحيوان المظلوم بكتابه «الحمير» الذي ضم أربع مسرحيات هي بالترتيب الزمني: 1 - «الحمار يفكر»، 2 - «الحمار يؤلف»، 3 - «سوق الحمير»، 4 - «حصص الحبوب»، وكلها نشرت ما بعد النكسة وأراد ان يبث الوعي عبر هذه الطريقة الأدبية والرمزية... ليتني أوتيت ربع موهبة «الحكيم» لأؤلف من وحي جرائم النظام السوري «حمير الطاغوت».