لا جدال في أنقرة في قرار الحكومة والدولة بطرد السفير الإسرائيلي وتخفيض العلاقات الدبلوماسية إلى حدّها الأدنى. ثمة إجماع وطني في تركيا على معاقبة حكومة نتنياهو إلى أن تقدم اعتذارًا وتعويضًا مرضيين. أما القاهرة فهي تحفل بجدال متصاعد حول عملية اقتحام السفارة الإسرائيلية واضطرار السفير وطاقمه إلى الهرب والعودة إلى (تل أبيب).
نعم ثمة فارق جوهري بين الحالتين وإن تشابهت المخرجات، ذلك أن الحالة التركية قادتها الحكومة والدولة وحظيت بإجماع الشعب التركي وأحزابه حتى الأحزاب الصديقة لتل أبيب تقليديًا. والحالة المصرية قادتها جماعات من المتظاهرين الغاضبين، حركتهم مشاعرهم المناهضة لـ(إسرائيل)، ودفاعهم عن كرامة مصر لمقتل الجنود الخمسة بيد الجيش الإسرائيلي دون أن تقدم تل أبيب اعتذارًا حقيقيًا.
الغاضبون في مصر عملوا من خارج إطار الحكومة والدولة، ومخرجات عملهم في النهاية هي مرضية لكل المصريين، غير أن الاقتحام نفسه كأسلوب عمل خضع لنقد الحكومة والمجلس العسكري، وبدأت تظهر اتهامات للمتظاهرين وتتحدث عن أصابع خفية اخترقت المظاهرة، ونفذت الاقتحام واختفت وهذه العناصر ليست في قائمة المعتقلين حتى الآن.
في أنقرة تم الإجراء بأسلوب حضاري قادته الدولة نيابة عن الأمة التركية، وفي مصر تقاعس المجلس العسكري، وتقاعست الحكومة – بحسب رأي – المتظاهرين والشعب المصري عن القيام بالواجب بأسلوب حضاري، فقام المتظاهرون بالعمل بالأسلوب الشعبي المعتاد في كل مكان حين تكون المشاعر العدائية للسفارة ولدولة الاحتلال هي المحرك الأساس للتعبير عن الكبت الداخلي المختزن من عقود ظلم مبارك وقهر نظامه للحريات.
الاتهامات الرسمية في القاهرة لعناصر مندسة وأصابع خارجية في حدث السفارة الإسرائيلية تتزايد وتتخذ مبررًا للاعتقال، وللتحويل إلى محكمة عليا طوارئ وثمة احتمال لوجود مندسين، وهو أمر مفهوم في الحركات الشعبية الغاضبة، ولكن ليس مفهومًا في الساحة المصرية لماذا لجأت الحكومة والمجلس العسكري إلى قانون الطوارئ سيئ الصيت، وهو قانون احترقت منه أكباد المعارضة على مدى 33 عاماً، وصار إلغاؤه مطلبًا أساسيًا للثورة المصرية.
العودة إلى قانون الطوارئ، وإلى المحاكم العسكرية، وإلى اعتقال العشرات، أثار قلقًا كبيرًا في صفوف الثورة المصرية، وهو حديث مجالس الأحزاب والجماعات على المستوى القيادي، وجلها يطرح السؤال التالي: (هل هذا هو مقدمة لتأجيل الاستحقاق الثوري والوطني بإجراء الانتخابات في موعدها؟! وهل تدخل الثورة في مليونية جديدة لمواجهة المجلس العسكري والحكومة من أجل استكمال أهداف الثورة ونقل الحكم إلى المدنيين بحسب المواعيد المضروبة قبل اقتحام سفارة تل أبيب في القاهرة؟!!).
الثورة المصرية ليست كغيرها من الثورات، ومصر الكبيرة ليست كغيرها من الأقطار العربية، واهتمام واشنطن وتل أبيب بها ليس كاهتمامها ببلاد عربية أخرى، وما أصابه الشعب المصري من حرية بثورته لا أحد منهم يقبل أن يتراجع عنه، لهذا لا مفر من تبرير القلق سريعًا وعلى الحكومة أن تعلن عن مواعيد محددة لاستحقاق الانتخابات وتطمين القوى السياسية والأحزاب والشعب على مستقبل ثورته، وأرجو ألاّ يستبد القلق بأصحابه على نحو يتولد من خلاله صراع داخلي لا تحمد عواقبه