لكي لا يظن متوهم أني أتكلم عن الحسابات البنكية ونوادي الأثرياء الحصرية والأرقام التي لا تعد أصفارها، فإني لإثبات المصداقية وحسن النوايا أحمل براءة ذمة تثبت أن الأردنيين هم الأقل دخلا في الشرق الأوسط، فمتوسط الراتب الذي يحصل عليه الموظف حتى في بعض الوظائف العليا في مجالات الطب والهندسة والقانون والمبيعات والتقنية وغيرها لا يزيد على 1500 دولار، وحياة الموظفين عبارة عن أقساط وديون وكمبيالات متتالية لا تقوم حياتهم بدونها!
الحسابات التي أعنيها هي الحسابات الالكترونية في العالم الالكتروني التي لا تتعامل ربما بالعملة والدينار والدرهم، ولكننا نصرف عليها ما هو أغلى من أعمارنا وأوقاتنا. فبحسب دراسة لشركة أبسوس للأبحاث فإن العرب يقضون ثلث عمرهم في المتوسط بما يعادل ثماني ساعات يوميا في تصفح الانترنت، هذا غير ساعات مشاهدة التلفاز واستخدام المحمول واللعب بالألعاب الألكترونية! وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الانسان في المتوسط كذلك يقضي ثلث عمره في النوم، وست سنوات في الأكل، وسنة ونصف في الحمام، وخمس سنوات في انتظار الدور (في الدول التي تحترم الدور)، وستة شهور على الإشارات الضوئية، وأربعة سنين في تنظيف المنزل (للمرأة طبعا)، وسنة للبحث عن الأشياء الضائعة، وأسبوعين لتبادل التحية والقبلات مع الآخرين وغيرها من النشاطات التي تأخذ من رصيد العمر ولا تزيد عليه شيئا- فسنجد أنفسنا في خانة المهددين بالإفلاس والخسارة.
ومع الإقرار الاضطراري بنفع وضرورة التواصل التكنولوجي وأثره المستقبلي الذي يزيد أهمية الدول الكبرى التي ترى في العالم المستقبلي عالما الكترونيا افتراضيا cyber worldوفي القوة المستقبلية قوة الكترونية افتراضية cyber powerوفي الخطر القادم خطرا إلكترونيا افتراضيا cyber threat، فإن استخدام العرب له لا يقع ضمن هذه الدائرة التنافسية في توفير وإنتاج وتطوير وتطويع هذه التكنولوجيا بل إن جل مساهمتهم هي مساهمة استهلاكية في استخدام ما تتفتق عنه العقليات الغربية والشرق آسيوية، وقد أثبتت دراسة أبسوس أن 96 في المئة من المواقع التي يستخدمها العرب، أجنبية وأهمها مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتوتير!
وبالرغم من الوقت الذي تأخذه هذه الحسابات المتعددة accountعلى الايميل بأنواعه (الياهو والهوت ميل والجي ميل) والفيس بوك والتوتير واليوتيوب وغيرها الكثير مما تضيق به المعرفة، الا أنك تجد الشباب بالذات يمتلكون حسابات على أغلب المواقع، إن لم يكن كلها، وليس هذا لطبيعة أعمالهم، كأن يكونوا صحفيين أو إعلاميين مثلا، تقتضي أعمالهم هذه المتابعة اللصيقة الحثيثة، كما أن وجودهم المستمر آناء الليل وأطراف النهار ليس كله من باب سد الثغور والكلمة الحسنة والمعلومة المفيدة، فكثير من الوقت يضيع في التسالي وقيل وقال وكثرة السؤال، ودخول وخروج وتغيير كلمات السر وتحديث وحذف وإضافة، حتى أصبح للانترنت إدمان يوازي إدمان المخدرات ويعرف باسمه، وكم هدم من حياة وأسرة ومستقبل عندما طاشت العقول في السيطرة على عقال استخدامه!
في القديم كانت الزيارة وسيلة الاتصال أو الرسالة أو الهاتف للبعيد، كان الناس أكثر حميمية والدنيا أقل تعقيدا، وخير الكلام ما قل ودل، والزيارة الخفيفة تجعلك على القلب ظريفا، والناس يستسمحون بعضهم في آخرها ويقولون "استروا ما شفتوا منا".
أما في العالم الافتراضي فلك أن تقيم فلا تغادر، وتتكلم بما تريد وقتما تريد دون حسيب ولا رقيب إذا لم يكن عليك حسيب من نفسك، حتى هويتك قابلة للتغيير والتلوين والتزويق!
وكلما لاح في أفق العالم الافتراضي نجمة أو سراب جديد كنا أول الميممين شطرها، وما أسهل أن تضع اسمك الحقيقي أو المستعار وكلمة سر جديدة لتصبح من أصحاب الحسابات الجديدة، ولكننا ننسى أن هذه الحسابات ستدخل في الحساب الكبير الذي يحصي مثقال الذرة ويستنسخ الشاردة والواردة فلا تودع فيها، مهما كثرت وتوالدت، الا ما يسرك يوم القيامة أن تراه ليكون وجهك (face book) مسفرا مستبشرا وتغريدك (tweet) بصوت العندليب.