المرأة المثالية و الرجل الأمثل

نشر 07 سبتمبر 2011 | 10:06

 تروي الأسطورة الإغريقية أن نحاتاً اسمه بجماليون كان يكره النساء وأحجم عن الزواج للهروب من مشاكلهن، و لكنه نحت تمثال امرأة ضمنه كل ما تصوره عن تفاصيل المرأة المثالية في الشكل و الجسم، فعاقبته الآلهة بأن أوقعته في حب التمثال فأطلق عليها اسم جالاتيا. ولازمها لزوم الزوج لزوجته و ظل يبكي طالبا من الآلهة أن تبث الحياة في أوصالها فاستجابت آلهة الحب فينوس لتوسلاته و أحيتها فتزوجها و أنجب منها.
أعاد الفيلسوف الانجليزي برنارد شو إحياء الأسطورة في مسرحية حملت اسم النحات بجماليون و بطلها أستاذ صوتيات و لغويات يتبنى امرأة من الشارع و يحولها إلى سيدة مجتمع بعد أن علمها النطق الصحيح، ووقع في حبها عن غير قصد، و قد تلقفت هوليود القصة وأنتجت واحدا من أشهر أفلامها بعنوان سيدتي الجميلة My Fair Lady.و كان للعرب أيضاً نصيبهم من القصة فكتب توفيق الحكيم النسخة العربية من بجماليون و أنتجت السينما المصرية نسختها العربية من فلم سيدتي الجميلة.  

الأنثى الخارقة

ليست قصة الكمال الأنثوي من وجهة نظر ذكورية مجرد أمنيات وتخيلات أدبية، فكثير من الرجال كانوا وما زالوا يبحثون عن زوجة لا ترى و لا تسمع و لا تتكلم، و تكون أجمل الجميلات على مدى أربع و عشرين ساعة بمفعول يدوم ويدوم ويدوم أطول من بطاريات "انرجايزر"!، و تكون بمهارة أمهاتهم في الطبخ، لاتكل ولا تمل ولا تشتكي ورهن إشارة من إصبعهم الصغير
 و لا بأس أن يتباهى بها أمام الآخرين، و لكن بالقدر الذي لا يفوق ذكاءه و مكانته بل يكون إطراءاً لحسن اختياره، فالزواج من المرأة الغبية تعاسة كما يقول المثل و من الذكية شقاء و الحل بين الاثنتين.
 
وبالمقابل يتوقع المجتمع أن لا تطلب المرأة في الرجل أي مميزات ولا تتوقع منه شيئا فيكفيها أنه تزوجها وأنقذها من براثن العنوسة، وعليها رد الفضل وشكر الجميل بأن تكون "جمل المحامل" في حياته
 
وقد وضع بعض الظرفاء على سبيل التندر الذي أصاب كثيرا من كبد الحقيقة ما أسموه الأسباب التي تجعلك سعيدا لأنك رجل، وهي في معظمها ثناء على ديناميكية الرجل وسرعة بديهته وعدم تكلفه وصدقه في التعامل، و الغمز بالمقابل على المرأة أنها ضد ذلك كله، و كان مما ذكروا أن الرجل ينهي المكالمة التليفونية في ثلاثين دقيقة و باطن الرسالة يقول أن المرأة تمضي ساعات على الهاتف متناسين الطبيعة الاجتماعية التي تصنف المرأة في دائرة الماهرة في التواصل الاجتماعي و الرجل في خانة المفتقرين إلى أساليبه، و متناسين أيضاً أن لدى بعض النساء ما قد يطحنهن ليل نهار فهن بحاجة أكبر للتنفيس والمشاركة، بينما كثير من الرجال يأتي البيت كسي السيد أو كعلاء الدين يتوقع من امرأته أن تكون الجني تردد دائما : "شبيك لبيك و ما تتمنى بين يديك".

 الرجل والشنطة!

و ينسى واضعو قاعدة التميز هذه أن المرأة تهتم أكثر بالتفاصيل سواء أكانت في النظافة أو الأناقة، وحتى بلباسها الإسلامي تحتاج وقتا أطول لكي تستعد للخروج، و هذا مما لا يعيب أو يشكل مزية لجنس على آخر، ويرتبط بهذا السبب أيضا أن الرجل كما يقولون يحتاج لشنطة واحدة عند السفر بينما المرأة تحتاج لعربة من الشنط، و قد يكون الرجل أحد أسباب هذه الزيادة في شنط المرأة فهو يريد أن يراها امرأة جديدة كل دقيقة بكل ألوان الطيف، كما أن المرأة تحمل أغراض أولادها معها لتبقى أغراض الأب في شنطة لوحدها مخافة أن تتسخ أو تتجعد بعد الكي و في هذه أيضا تُلام المرأة و لا حمدا و لا شكورا.

 ويقول هؤلاء أن أصدقاء الرجال لا يهتمون إذا ازداد أو نقص وزنهم، و كذلك صديقات المرأة و لكن الهوس بالوزن سببه الرجال و الأزواج على الخصوص الذين يسمحون لأنفسهم أن تبلغ كروشهم عنان السماء بينما يهددون زوجاتهم بسبب زيادة غرامات جديدة!.
 و سبب آخر أن الرجال عند تقليب المحطات لا يتوقفون عند كل لقطة فيها شخص يبكي، و ماذا نفعل لهم أن نزع الله الرحمة من قلوبهم، و هل نطالب النساء بأن يصبحوا جلمودا كالصخر؟!
 
سبب إضافي لسعادة الرجل هو ان مزاجه واحد في كل الأوقات و هذا صحيح لان كثير منهم يفرغون أمزجة السوء في البيت و الأولاد و يخرجون للناس والأصدقاء خارج البيت بنفسية مشرقه يغدقون الآخرين بمعارف الحياة الزوجية السعيدة، و قلة قليلة منهم كسيدنا عمر رضي الله عنه يتحمل تقلب مزاج الزوجة و يراه حقا لها، إذ قال للرجل الذي جاء يشكو له زوجته انه هو ذاته يتحمل كل ما يصدر عن زوجته فهي تطبخ طعامه وتخبز خبزه و تغسل ثوبه و ترضع ولده و يسكن قلبه بها عن الحرام، وغيرها و غيرها من أسباب السعادة بالذكورة!.

 الكمال لله وحده

إن طلب الكمال و المثالية شيء مستحيل في الرجل و المرأة، و لكن من غلبت محاسنه على مساوئه فذلكم الرجل و تلكم المرأة، و ما بينهما يتجاوز عنه كرام النفس و الأخلاق

و في سباق اللهاث المستعر للبحث عن المرأة المثالية طالعتنا وسائل الإعلام بخبر عن رجل ياباني أنفق 16 ألف يورو وباع سيارته و أخذ قرضاً من البنك ليصنع زوجة آلية مثالية بحسب رأيه تقوم بجميع أعمال المنزل على مدى الأربع و عشرين ساعة، و لا تتحدث إلا إذا طلب منها، و تقرأ الجريدة بصوت عال، و تتعرف على المشروب المفضل، و شكلها جذاب، و عمرها عشرون عاما، و تتعرف على الألوان و بعض الوجوه، و تقرأ اليابانية و الانجليزية، و تنطق 13 ألف جملة في اللغتين و تحل المعادلات الرياضية، و تتعرف على الاتجاهات، و تنفعل جسديا إذا لمست في بعض المواضع، و برر لي ترونج و البالغ من العمر 33 عاما خطوته هذه بيأسه من العثور على فتاة أحلام بنفس مواصفات زوجته الآلية.
 
و بعيدا عن تفتقات الابتكار و الإبداع فإن اللجوء إلى مثل هذه الشطحات قد يخفي وراءه انحرافات نفسية، فالبشر يأنسون بالبشر مثلهم و ليس بالجمادات أو الحيوانات، مثلما فعلت أيضا الكاتبة البريطانية ماري كوريللي التي صرحت قائلة "لا أريد زوجاً، لأن لدي حيوانات أليفة تؤدي نفس دوره. لدي كلب ينبح كل صباح، و ببغاء تثرثر طوال الظهر والعصر، وهر يأتي خلسة إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل".
و هذا انحراف في فطرة الآدميين، فقد ظل سيدنا آدم في حزن حتى خلق الله له حواء ليسكن إليها، و عانت حياتهما الزوجية من التقلبات بالعصيان و النزول من الجنة و الافتراق و اقتتال ولديهما، فهذه سنة الحياة الزوجية التي ليست كلها عسلاً ولا بصلاً دوماً، و لكنها لا تخلو من الاثنين، و كما الفطور لا يكمل إلا بالعسل، كذلك الغداء لا يحلو إلا بالبصل.
و صدق الشاعر القائل : و من ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
و قد أدرك زوج من المتقدمين أن الكمال و الهناء قد يكون في قبول النقص و الرضا به فقد سئل أبو عثمان النيسابوري : "ما أرجى عملك عندك؟"، فقال: "كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج فآبى، فجاءتني امرأة فقالت :" يا أبا عثمان، إني قد هويتك، و أنا أسألك بالله أن تتزوجني"، فأحضرت أباها، وكان فقيراً، فزوجني وفرح بذلك، فلما دخلت إلي رأيتها عوراء عرجاء مشوهة، و كانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج، فأقعد حفظا لقلبها، ولا أظهر لها من البغض شيئا، و كأني على جمر الغضا، فبقيت هكذا خمس عشرة سنة حتى ماتت، فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي لقلبها.
فعسى أن يعود هذا الزمان من المثالية و الكمال.