نقاط على الحروف

نشر 06 سبتمبر 2011 | 08:15

(لا حل لمشكلات سيناء إلا برفع الحصار عن غزة) هذا ما قاله سفير مصر ياسر عثمان في رام الله، وبهذا القول يحدد طبيعة العلاقة الجيوسياسية والتاريخية بين غزة وشمال سيناء، فإذا كانت سيناء تعاني من مشاكل أمنية، أو مشاكل تنمية وتطوير حضاري يدرك عناوينها القادة العسكريون والمدنيون في القاهرة، فإن السفير ياسر عثمان ينبه إلى الأهمية الخاصة لقطاع غزة في علاقته مع خاصرة مصر الجنوبية التي تعرف بسيناء في حل هذه المشاكل.

 

من المؤكد أن الحصار الذي تفرضه (إسرائيل) على قطاع غزة يفاقم المشكلات البنيوية والحضارية والأمنية التي تعاني منها سيناء، لقد اكتشفت القيادة المصرية واقع سيناء بعد الاحتلال الإسرائيلي لها في عام 1967م. سيناء التي عانت من غياب المدن الكبيرة، والتواجد السكاني الكثيف، كانت لقمة سائغة في فم الاحتلال، ولقد حرص الاحتلال على وضع شروط خاصة على التواجد المصري العسكري وغير العسكري في سيناء من خلال اتفاقية كامب ديفيد لاستبقاء شبه الجزيرة العربية خاصرة ضعيفة مسكونة بمشاكل دائمة.

 

في (إسرائيل) استراتيجية تتبنى تضخيم مشاكل سيناء وبالذات ذات الأبعاد الأمنية، من خلال الحديث عنها كملاذ آمن للإرهاب وللقاعدة، ولعصابات التهريب، وهو تضخيم متعمد يقصد منه جلب ضغط أميركي على القيادة المصرية، وإشغالها بمشاكل فرعية تعيق عملية التحول الديمقراطي.

 

 

المناطق الحدودية في العالم تعاني كلها من مشاكل خاصة ذات طبيعة جغرافية وحدودية، ولكن في العالم لا يوجد إلا (إسرائيل) واحدة على حدود قطاع غزة ومصر، وهذه تريد أن تمارس دور الشرطي صاحب القرار، وتمارس التدخل السافر في شأن سيناء.

 

إن الرد الحاسم والمباشر على التدخل الإسرائيلي في سيناء يكمن في نقطتين: الأولى يجسدها قول السفير ياسر عثمان بأنه لا حل لمشاكل سيناء بدون رفع الحصار عن قطاع غزة. وهو قول يمثل قراءة عميقة لمفردات مشاكل سيناء وأسبابها وحلولها.

 

والثانية: تكمن أيضاً في قوله إن (إسرائيل) تعيق عمليات تطوير سيناء، وبناء المدن الكبيرة فيها، وهذا يستلزم تنفيذ استراتيجية إعمار سيناء وبالإنسان والعمران، لأن أطماع (إسرائيل) في سيناء تتبدد حتى تكون سيناء عامرة بالرجال والحياة وبالعمران، وإن فراغ أجزاء كبيرة من سيناء من الإنسان ومن العمران يجعلها في محط أطماع التوسعية الإسرائيلية.

 

استراتيجية سيناء في مواجهة (إسرائيل)، هي جزء مشابه لاستراتيجية غزة في مواجهة العدوان والاحتلال. الإنسان والعمران هما آلية الدفاع عن الأرض والوطن، والمناطق الفارغة إغراء لإسرائيل.


 

 

 

نريد أن تبقى تركيا قوية

مصطفى الصواف

مرة أخرى تطفو على السطح قضية زيارة رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان إلى غزة، خاصة مع قرب زيارته إلى القاهرة وفي ظل حالة التوتر القائمة بين تركيا والاحتلال الإسرائيلي، بعد تقرير بالمر العنصري والمنحاز وغير القانوني وما تبعه من رفض الاحتلال الاعتذار لتركيا عن جريمة مرمرة، وطرد السفير الإسرائيلي وتجميد الاتفاقيات والإجراءات الجديدة المتخذة في المطارات التركية بحق الإسرائيليين القادمين إلى أراضيها.

 

ما يعنينا في هذا المقام هو زيارة أردوغان لغزة والتي باتت تثار كل فترة من الزمن وكأن الحديث عن الزيارة بات مرتبطا بدرجة التوتر مع الاحتلال، حتى كدت أظن أن الحديث عبر الإعلام عن زيارة أردوغان لغزة كأنه وسيلة ضغط على الاحتلال، وورقة مساومة حتى يقدم الاعتذار لتركيا عن جريمة أسطول الحرية.

 

الحقيقة أن الموقف التركي حتى اللحظة موقف شجاع ومتقدم على مواقف كثير من الدول العربية والإسلامية، سواء على صعيد الدعم المباشر الفلسطينيين وخاصة قطاع غزة، أو من خلال المواقف السياسية المتقدمة وعلى رأسها الشكوى إلى محكمة العدل الدولية حول حصار قطاع غزة، وما بين الأمرين أمور كثيرة تدلل على أن هناك تطوراً كبيراً في الموقف السياسي التركي مختلفاً وجديداً في ظل حكومة أردوغان.

 

زيارة أردوغان إلى غزة أنا كفلسطيني أعدها أمنية، وأتمنى أن تتحقق على أرض الواقع وألا تكون فزاعة في وجهة الاحتلال؛ ولكن أن تكون هدفا استراتيجيا في السياسة الخارجية التركية يؤسس لواقع جديد في التعامل مع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، بعد أن فقد الثقة بموقف عربي مساند للحقوق الفلسطينية.

 

زيارة شخصية وازنة إقليميا ودوليا مثل رئيس الوزراء التركي لها مدلولات كثيرة وتؤسس بشكل فعلي وعملي لخطوة سياسية كبيرة في كسر الحصار عن غزة، وستكون محركاً لعدد من الشخصيات العربية والإقليمية والدولية في التفكير الجاد للقيام بزيارة إلى غزة، تماثلا مع زيارة أردوغان، وهذا سياسيا يعد انتصارا لصمود الشعب الفلسطيني.

 

لكن علينا أن نكون واقعيين وأن ننظر إلى الموضوع بشكل سياسي له علاقة بمنظومة المصالح التركية، وعلينا أن نسأل سؤالاً هل تركيا وأردوغان على استعداد لتحمل نتائج زيارة غزة على المستوى الدولي وتحديدا العلاقات التركية الأمريكية؟، من وجهة نظري المتواضعة، تركيا غير جاهزة لتحمل هذه النتائج، وأردوغان لا توجد لديه نية حقيقية لزيارة غزة، ولا نعتقد أن زيارة غزة في هذه الأوقات على جدول أعماله، وعادة الخطوات السياسية ذات الوزن الثقيل لا تؤخذ دفعة واحدة بل تتم على مراحل وعلى نظام الخطوة خطوة، لأن كل خطوة لها نتائج تتناسب وحجمها، وليس من المنطقي والمعقول أن تتخذ عدة خطوات مرة واحدة لان الموقف لن يتحمل نتائجها المترتبة عليها، ويجب ألا ننسى أن الخطوات التركية متخذة ضد إسرائيل وهذه يجب أن نتوقف أمامها جيدا.

 

علينا أن نكون واقعيين وألا ننتظر من تركيا خطوات كبيرة دفعة واحدة، وزيارة غزة هي واحدة من هذه الخطوات الكبيرة التي لن تقدر تركيا على مواجهة تبعاتها، وعليه يجب ألا نحمل الحكومة التركية أكثر مما تحتمل في ظل هذه الظروف، وفي نفس الوقت يجب أن لا تكون آمالنا كبيرة جدا ومخالفة للمنطق والعقل.

 

لن يأتي أردوغان إلى غزة وسيكتفي في المرحلة الحالية باللعب على الوتر السياسي والمواقف المساندة والمؤيدة، إلى جانب الدعم المادي واللوجستي لقطاع غزة، أما الزيارة إليها ربما تتحقق في مرحلة لاحقة قد لا تكون قريبة، رغم أهمية هذه الزيارة وأثرها الفاعل على الموقف الفلسطيني وكسر الحصار؛ ولكن يجب ألا نغفل أن هناك أضرارا قد تصيب تركيا سياسيا واقتصاديا وأمنيا هي في غنى عنها، ونحن في حاجة إلى تركيا مستقرة وقوية.