في ليلة القدر ولدت هذه الأمة ذات القدر. ومع نزول هذا الكتاب العظيم على الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم وجدت أعظم أمة مرت على هذا الكوكب، كيف لا ونواتها محمد صلى الله عليه وسلم وكتابها القرآن؟! لكن خير أمة تدهورت أحوالها وتبدلت. فكيف كان التحول؟ وكيف أصبحت الأمة ذات القدر بهذه الخفة؟ كيف سار خط الانحراف كما يسميه الأستاذ محمد قطب في كتابه السفر النفيس: "واقعنا المعاصر"؟
هذه قصة طويلة. ولذا نحن مأمورون بالنظر في الأمور كيف تخلقت: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق.." العنكبوت20 وكم كررت وأعدت: لفهم الظواهر (أو الظاهرات) انظر البدايات. ولمقاومة اليأس انظر في العواقب والنهايات: "والعاقبة للمتقين". فهاتوا ننظر في التاريخ.
طيلة التاريخ كان الصراع يتمحور ويتمثل في عدوان فرد على أمة فيتمكن مع الزمن وبالمكر والخديعة والاحتيال والسير المتدرج وفق مخطط شيطاني لهذا الغرض، وعبْر من يشتريهم من الأعوان، ومن خلال أساليب العسف والخسف والبطش والترويع، كان الفرد يطغى على أمة ويختزلها في شخصه، وفي الملأ الذين يدورون في فلكه. وقد جسّد القرآن هذا المعنى في قصة فرعون التي لا تخطئها العين في عشرات من سور القرآن إذ قال الله لموسى عليه السلام: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" وقد بلغ الطغيان بفرعون أن تصور نفسه إلهاً، وسولت له نفسه المريضة أنه رب مصر وشعبها ومالك كل ما عليها ومن عليها، وقد صرح بكل ذلك وسجله القرآن: "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون." إلى أن قال: "أنا ربكم الأعلى" ثم ترقى في عدوانه أو تسفّل إذ قال: "يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري".
وفي سبيل الوصول إلى إرضاخ الشعب وإخضاعه وتطويعه وترويضه وتطبيعه سلك طريق ترويعه عبر القتل وضرب أضعف الحلقات، ومن خلال تمزيق نسيج الأمة وضرب بعضها ببعض لإضعافها، ثم البطش بأحد مكونات النسيج لإرهابه وإرهاب بقية المكونات، وانظر إلى التكثيف القرآني لهذا المعنى إذ قال في سورة القصص: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين".
وإن مادة "يذبّح أبناءهم"، "يذبحون أبناءكم" لم ترد إلا في قصة فرعون، ومعلوم أن الذبح ليس للإنسان، فهو بحقه أشنع الميتات وتحقير لإنسانيته وترويع للنوع وللجنس الإنساني، وللشعب الأعزل المجرد المسكين أمام قوة فرعون المدجج بالسلاح والجند والمستأثر بالثروة والمال: "وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد" فالقوة قادت إلى الطغيان، ولاستمرار الطغيان لابد من الفساد.. إلى أن كانت النتيجة تدمير قيم الشعب ومقوماته وصولاً إلى مرحلة في حضيض الشعوب، وقد سجل القرآن هذه الحالة من الغثائية وانعدام الوزن إذ قال: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين." إن الفسق والغرق في الفساد أوقع الشعب في انعدام الوزن والخفة والسفاهة والخوف الذي يجمد الأوصال، والعجز عن أي حراك أمام تجبر الطاغي وعتوه. وما أشبه الأمة في خوفها الذي يشل حركتها بالفأر إذا رأى الثعبان فإنه يتجمد في مكانه ويسهّل على الثعبان مهمة ابتلاعه.. إن الخوف يقعده عن التفكير في المقاومة.
وتظل الأمة تتردى وتنحدر وتنتقل في الغثائية من درك إلى درك أحط إلى أن تصبح زبداً أشبه بالعدم، كما كنا في مرحلة اجتياح التتار للمنطقة.. وقد تزامن انعدام الوزن في تلك الحقبة التاريخية مع غزو آخر هو غزو الصليبيين فأصبحت الأمة التي اجتاحت أوربا هي تتعرض لحملاتها، وتُحتل أراضيها، وتُنتهب ثرواتها، وتُنتهك مقدساتها ولا تٌحرك ساكناً. فما معنى أن يحتل الصليبيون مسرى النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا تحرك الأمة ساكناً؟ ما معنى أن تسقط الخلافة في بغداد ويقتل الخليفة والأمة عاجزة عن أي حراك؟ هذه جريمة العبث بحرية الأمة وتخفيف وزنها والحط من قدرها، وضرب بعض أجزائها ببعض، وقد كان حكام المنطقة في زمن الحملات هذه يستعينون على بعضهم بالصليبيين! كما حصل مع "شاور" والفاطميين في مقاومة النهوض الذي مثله وقاده عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين!
اللهو والشراب والغناء والفجور أصبح الشغل الشاغل، وانغمس كثيرون في ذلك، وبهذه الخطة الشيطانية مع الفُرقة ضاع الأندلس، وضاعت جل أقطار الأمة. وما كانت الأمة تستعيد العافية إلا بقيادة تحدث انقلاباً في نهج الإسفاف والاستخفاف وتسير في خط إعلاء التعليم وإعلاء شأن الدين العظيم والسير في خط الاستخلاف، وإعادة القدر إلى أمة القدر، والوظيفة العظيمة إلى الأمة العظيمة وهي الشهادة على الناس. هذه الأمة شأنها عند الله وفي الواقع بالطبع، شأن عظيم. ومن حطّ من شأنها لم تكن جنايته بحق أمته فحسب بل بحق الإنسانية، لأنه حينئذ يحرم الإنسانية من القيادة الراشدة. وبدل أن تسير الإنسانية في دروب رشادها، تسير في غياب مثل تلك القيادة العظيمة في دروب الفساد وغياهب الغواية وهي مدمرات مقومات الإنسانية.. كما يجري أمام ناظريك. فمن قال أن بلداً مثل تونس لم يكن يمنع فيه الحجاب فحسب بل كانت من ترتديه تعرض نفسها للسجن والمساءلة والملاحقة القانونية والطرد من الوظائف. فلصالح من كان يرتكب هذا؟
من قال أن "مسجد الجامعة" في تونس العاصمة لم تصل فيه ركعة مذ تسلم "شين العابثين" المسمى زوراً "زين العابدين".. "بنعلي" المسمى "بن علي".. وأن يتحول المسجد إلى دار للدعارة، وحاشا لبيوت الله، لكن هذا الذي كشف عنه النقاب بعد الثورة!
وكما كتبت مرات من قبل فإن الصلاة في كلية الشريعة كانت ممنوعة. فما بالك بغيرها؟ وما أنشئت كلية الشريعة في تونس إلا لتحارب الشريعة فهي بحق: كلية الشبهات على الشريعة، وكلية محاربة الشريعة. ويقول لي طالب من طلابنا درس الدكتوراة هناك، يقول: في رسالتي سطور منقولة من "الظلال"، فلما اكتشفها المناقشون كادوا يردون رسالتي. إنها الحرب المنهجية المنظمة المدروسة لكل مقومات الأمة وضرب عقائدها وأخلاقها وعباداتها وقيمها لتصبح فريسة سهلة لكل مفترس. ما معنى أن تمنع السلطة كل الجمعيات الخيرية والعمل التطوعي وتقفل جمعيات تحفيظ القرآن؟ لصالح من؟ ألصالح القضية الفلسطينية؟ ولم تصفى كل خلايا المقاومة وتفكك وتضخم الأجهزة القمعية؟ كل ذلك مخطط صهيوني أمريكي شيطاني واضح المقاصد والغايات.
• التخويف جزء من الخطة الجَهَنَّميّة المنهَجية للاستخفاف:
القرآن كنز معرفي لا ينفد ولا ينضب. لكن هات من يستخرج من كنوزه وبديع عطائه ما يدهش، ومن قصصه ما يفهم علم النفس الفردي، وعلم النفس الجمعي أو الاجتماعي. وكيف تروض الجماهير كما تروض المخلوقات الأخرى. ومن أخطر وسائل الترويع والترويض الجمعي: التخويف. ألا ترى إلى مروض الأسود في السيرك يمسك بيده السوط، وكذا تروض الشعوب في المجتمعات المقهورة بالسوط وعبر وسيلة التخويف. ولذلك كلما أصدرت الأمم المتحدة وقوانين حقوق الإنسان توصيات بعدم التعذيب فإنها لا تلتزم ولا تحترم. لأن ذلك أي التعذيب هو أنجع الوسائل في التخويف والترويع..
الخوف عدو الشعوب الأول. وأحب أن أنقل بعض ما كتبت في كتابي في تفسير سورة القصص في هذا الموضوع، والكتاب كتب سنة2003، أقول فيه مبيّناً رد فعل موسى عليه السلام على تحميله أمانة الدعوة: "وإن رد الفعل الطبيعي من المكلف بهذه الأمانة الثقيلة أن يستشعر وطأة الحمل وثقلة المسؤولية، ومن هنا يتردد مرات على سمعنا قول موسى عليه السلام: "إني أخاف"، ففي الشعراء: "إني أخاف"12 "فأخاف"14، وفي طه: "قالا ربنا إننا نخاف"45 "قال لا تخافا"46. وفي القصص "فأخاف أن يقتلون"33 "إني أخاف أن يكذبون"34 الخ. إن مهمة موسى عليه السلام صعبة وشاقة تحتاج إلى شرح صدر وتيسير أمر، وحل عقدة لسان، وتأييد بوزير من الأهل، وآيات معجزات تكون ظهيراً مؤيداً شاهداً بالصدق.. وتحتاج إلى نفوس كبيرة تتحمل وتصبر، ويقين كبير بأن النصر في نهاية المطاف للحق، وأن العاقبة –في خاتمة الأمر- للمتقين، "لله الأمر من قبل ومن بعد" "والله غالب على أمره" إن مهمة موسى هي أن يبذر في القلوب اليقين والبشرى بالعاقبة، وأن الفرج من بعد الحرج، من هنا جاء في قصة موسى: "وبشّر المؤمنين"، ففي يونس: "وبشّر المؤمنين"، وفي الأعراف: "قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"
إن من أول مهمات موسى عليه السلام هي أن يطرد الخوف من قلبه أولاً ثم من قلوب المؤمنين ثانياً، ومن هنا كان التوجيه لأمه من قبله من قِبل الله تعالى ألا تخاف إذا واجهت المخاوف: "فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي"
إن ظاهرة التفرعن تقوم على القوة، وعلى زرع الخوف من هذه القوة في نفوس المستضعفين، فالعلاج يبدأ من حيث تخلقت المشكلة. فالمشكلة في تجليها الأوضح والأشد هي الخوف، إذاً، فليكن العلاج السيطرة على الخوف والتحكم في الخوف وطرد هذا الخوف، ولكن كيف؟ يكون ذلك بتوجيه الخوف كله ليكون خوفاً من الله تعالى. فإذا توحد مصدر الخوف لم يعد العبد يخاف إلا ممن يستحق أن يخاف منه سبحانه: "فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين" فكم هم مجرمون أولئك الذين يصورون الإيمان وكأنه دعوة للخنوع أو للرضوخ، وهو في حقيقة الأمر دعوة لرفض الخنوع والخضوع والانعتاق من ربقة الذل والاستضعاف.
يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد مبيناً فضل الإسلام في تحرير الإنسان من الخوف وإنه وحّده في جهة واحدة، فلم يعد يخاف من جني ولا من شيطان ولا سلطان..الخ. وإنه ما من قوة إلا قوة الله، ثم قال: "وأعظم بهذا التعليم الذي يرمي الإنسان (به ومن خلاله) عن عاتقه جبالاً من الخوف والأوهام والخيالات، أوليس العتيق من الأوهام يصبح صحيح العقل، قوي الإرادة ثابت العزيمة، قائده الحكمة، سائقه الوجدان، فيعيش فرحاً صبوراً فخوراً، لا يبالي حتى بالموت لعلمه بالسعادة التي يستقبلها.. ثم نعى الكواكبي على الذين ينكرون فائدة الدين، وأنهم ما قالوا ما قالوا إلا لعدم اطلاعهم على الدين الحق. ثم خاطب الأمة محرضاً إياها على اليقظة بكلمة تهز الجوامد، وتوقظ الراقد حتى قال يخاطب المسلمين: إني أرى أشباح أناس يشبهون ذوي الحياة.. وقال إن الغباوة تملأ القلوب رعباً من لا شيء، وخوفاً من كل شيء" طبائع الاستبداد ص175-178 ونقلاً عنه تفسير سورة القصص ص187.
وللموضوع بقية.