ابتُليت الشعوب العربية بأنظمة وزعامات ورؤساء لا تعرف من الديمقراطية غير اسمها ، وإن عرفتها فلمرة واحدة فقط وبما يضمن وصولها لسدة الحكم، ثم تعمل وفق مفهوم بغيض عنوانه أنا والطوفان من بعدي ،لذا تجد الأنظمة بوطننا العربي ذات لون واحد ويعمل الجميع بأمر الحاكم دون نقاش أو تردد، فهو القاضي وهو الحاكم وهو من بيده مقاليد الأمور ببلده فلا يُمكن أحدًا من الاعتراض عليه وعلى أسلوب إدارته للبلاد وتسيير أمور العباد ،فهو يحكم بالحديد والنار ويُحكم قبضته على كل شيء دون استثناء.
المفهوم الصحيح للرئاسة أو الإمارة أن الزعيم إنما هو مؤتمن ومفوض من قبل شعبه للحكم، فإن هو خان أو حتى فرط بالأمانة فلا ينبغي أن تكون له حصانة ولا طاعة ،بل يسعى الجمهور لإسقاطه والتخلص منه ،وربما ملاحقته بغرض محاكمته ومقاضاته، وحال الشعوب العربية مع حكامها قائم على عكس ما ينبغي أن يكون، فالحكام بين متشبث بالكرسي حتى الممات، وبين عاشق للتوريث ويخطط له.
نذكر هنا نماذج من الزعامات العربية وأبدأ بالرئيس المخلوع مبارك الذي تعد لحظة دخوله لقفص الاتهام بقاعة المحكمة وكذلك منظره وهو ممدد على سريره داخل القفص لحظة تاريخية بكل ما تحمل الكلمة وما تحتمله أساليب اللغة العربية من معانٍ، هذه اللحظة التي لطالما انتظرها ملايين الناس ممن وقع عليهم ظلم النظام السابق أصبحت اليوم حقيقة بفضل الله ثم الثورة، ولا أناقش هنا مسألة خضوعه للمحكمة وان كانت محاكمة القرن الحالي الأشهر بامتياز ،ولا حتى قضية دخوله المهين لقفص الاتهام، بقدر ما نغوص في أعماق الموضوع لدراسته لعل استخلاص العبر منه يصبح أمرا ممكنا لنظراء الرئيس المخلوع.
لقد أفرزت الثورات العربية واقعا جديدا بالمنطقة ،فبعد هروب بن علي من تونس وسقوط النظام بمصر، وولوج الرئيس المخلوع بالشكل المهين لقاعة المحكمة - المشهد الذي رأته مئات الملايين عبر الفضائيات – وبعدما حدث ما حدث بليبيا من الانهيار المدوي لنظام الحكم فيها ،والهروب الدراماتيكي لأركان الحكم على رأسهم العقيد وأبناؤه، بعد ذلك كله أصبح هناك ثقافة لدى الشعوب مفادها أن الرؤساء إنما هم في خدمة شعوبهم وينبغي أن يخدموا بأمانة ،فمن تجرأ منهم على خيانة الأمانة أو التفريط فيها فإن الطريق لخلعه بات معروفا لكل فئات المجتمع، ولم يعد هناك ما يخوف الشعوب من الحكام، ولم تعد الرعية ترتعد من الراعي وزبانيته، لاسيما وأن الراعي في أغلب الأحيان يبطش بالرعية من أجل مصالحه الخاصة ومصالح أبنائه وعائلته ومقربيه ،بالإضافة لأنه يمتص خيرات البلد ويحولها لمزرعة خاصة، لذلك تجرأت الشعوب على الحكام الظلمة، وأصبحت تواقة لخلعهم ،وتشريد بهم من خلفهم من خلال تقديمهم لمحاكمات عادلة.
بعيد الثورات العربية حاولت بعض الدول والجهات السياسية من أصدقاء الأنظمة التي أسقطتها شعوبها الدفاع عنها وتجميل وجهها القبيح ،محاولين بذلك إعادة الأمور إلى نصابها خدمة لتلك الأنظمة ،مراهنين على سذاجة الشعوب وهو أمر لم يعد متاحا البتة ،وفي ذات السياق حاولت (إسرائيل) التأثير في الرأي العام المصري والعربي عموما ،لدغدغة المشاعر والتلاعب بالعواطف بحجة أن الرئيس المصري المخلوع كبير السن ،لدرجة أنه لا يقوى على المثول أمام المحكمة واقفا على قدميه ،مما دعاه للاستلقاء على السرير ،وأنه قدم ما قدم لبلده متناسين بأن الشعب لا يتعاطف مع من اختلس خيرات بلده، وصادر أبسط حقوقهم على مدى سنين وعقود حكمه الممتدة، وقد أغفلت (إسرائيل) من حساباتها ،وأسقطت من ذاكرتها ،وحاولت أن تُنسى العالم أن ألمانيا قدمت ديميانيوك وهو حارس المحارق النازية – كما يدعون – للمحكمة وكان قد بلغ التسعين من عمره ،وقد ادخل لقاعة المحكمة على كرسي متحرك.
إنني على ثقة عظيمة بأنه لو سُمح لمبارك اليوم أن يتحدث من داخل قفصه لعمد في محاولة بائسة لدغدغة مشاعر وعواطف الشعب المصري علما منه بطيبة الشعب وبساطته ،ولكن لقد فات الأوان ولم يعد بمقدور شعبه أن يسامحه لتراكم جرائمه وجرائم أزلامه بحقهم، و لو أتيحت له ولمن هو في حكمه من الرؤساء أيضا فرصة مخاطبة زملائه من الحكام والرؤساء العرب الذين لطالما جامل بعضهم بعضا على حساب مصالح الشعوب ومصلحة الأمة، ولقال لهم لا يغرنكم التفاف الجوقة ولا بطانة السوء من حولكم فإنها لن تنفعكم ،ولن تغني عنكم من غضب الشعوب شيئا،وإذا جاءت موجة غضبهم فإنها لا تبقي ولن تذر.
مبارك المخلوع والقذافي الشريد الطريد ،وبن على المبعد لسان حالهم اليوم يقول لبقية الرؤساء والحكام وبأعلى صوت ممكن إنه لا حصانة لمن ضيع منكم أو خان الأمانة، فاعتبروا يا أولي الألباب، وحكموا عقولكم إن كنتم من أصحاب العقول قبل أن تندموا في لحظة لا ينفع فيها الندم.