(حافة الهاوية) هي الاستراتيجية التي تبنّتها حكومة نتنياهو في إدارة جولة الصراع الأخيرة بعد عملية (إيلات) الفدائية. لقد تمكنت حكومة نتنياهو من التغطية على حالتي (الفشل الأمني – والارتباك السياسي) من خلال هذه السياسة بوضع جميع الأطراف أمام سؤال المستقبل، وتجاوز سؤال الماضي.
(حافة الهاوية) اقتضت إصدار تهديدات ساخنة وكبيرة من خلال التهديد باجتياح موسع لغزة، ونيران كثيفة، واغتيالات مركزة لقيادات سياسية وعسكرية، ومن ضمنها رئيس الوزراء إسماعيل هنية، ولكي تكتسب التهديدات مصداقية عجّلت حكومة نتنياهو باغتيال شخصيات مهمة وقصف الأنفاق ومواقع أخرى.
التقطت مصر عناصر هذه الاستراتيجية الخطرة وغير المضمونة فتحركت مع الأمم المتحدة من خلال المفوض السياسي روبرت سري؛ لاستعادة التهدئة والخروج من (حافة الهاوية). ويبدو لي أن هذه الجهود قد حققت النجاح المطلوب في استعادة التهدئة بعد انتكاسة مؤقتة أوشكت على تفجير الأزمة من جديد.
ما تقدم هو (رصد حدثي) لسياسة (حافة الهاوية) التي مارستها حكومة نتنياهو، ولكن القراءة التقييمية تبقى مفتوحة على كل الأسئلة السياسية والفكرية، ومنها لماذا اختارت (إسرائيل) هذه السياسة؟! ولماذا قبلت بالتهدئة؟ ولماذا تحرك الجانب المصري وممثل الأمم المتحدة السياسي في المنطقة؟!
إن تقليب هذه الأسئلة وغيرها يعطي المعلومات التحليلية التالية:
أولاً: لقد عبّرت (إسرائيل) من خلال سياسة (حافة الهاوية) عن حاجة إسرائيلية ملحة لاستمرار التهدئة، والانتهاء من الأعمال العسكرية في أقصر مدة زمنية، وهذه السياسة هي الوحيدة التي يمكنها جلب طرف ثالث أو أكثر للمساعدة على استعادة التهدئة.
ثانيًا: إن حكومة نتنياهو تدرك أنها لا تستطيع الآن القيام بعملية كبيرة في غزة، ولا تستطيع المجازفة باغتيال (هنية)؛ لأنها محاطة بعوامل ردع جديدة تُكبل شهوتها للدماء، ومن هذه العوامل العلاقة مع مصر التي تقف على (حافة الانهيار) بعد محاصرة سفارتها في القاهرة، وبعد التهديد بمليونية يوم الجمعة القادم لطرد السفير الإسرائيلي من القاهرة.
ثالثًا: (إسرائيل) لن تغامر بعملية برية في غزة وهي ترقب الحالة الأردنية بقلق وتشهد الاعتصام الشعبي أمام السفارة بعمان لطرد السفير الإسرائيلي.
رابعًا: إن (إسرائيل) في حاجة إلى التهدئة؛ لأن معركة جديدة مع غزة تعني عزلة دولية أكبر لتل أبيب، وتأييد دولي أوسع للفلسطينيين لاسيما في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
خامسًا: إن قيام (مصر الجديدة) بدور فاعل من أجل استعادة التهدئة، ووقف العدوان والتهديدات الإسرائيلية دعمًا لغزة، واستعادةً للدور المصري الراعي لها، يحقق مصالح مصرية على المستوى الرسمي الذي يتعرض لضغوط شعبية هائلة من أجل طرد السفير وإلغاء اتفاقية كامب ديفيد، ومصر الآن تحت المجهر ولديها ما يشغلها في الساحة الداخلية.
خلاصة القول إن التهدئة مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى، وهي مصلحة للأطراف الأخرى بدرجة أقل، وإن حكومة نتنياهو اختارت سياسة (حافة الهاوية) عن وعي، وإن الحكومة في غزة كانت على وعي أيضًا بهذه السياسة، وتعاملت معها بجدية وحذر، ونجحت في تحمل المسئولية العامة والحفاظ على المصالح العامة بالتوافق الوطني المسئول.