شتان ما بين زكريا وزكريا

نشر 24 اغسطس 2011 | 01:54

  أخيراً أفرجت سلطات الاحتلال عن الأسير زكريا داود عيسى من بيت لحم بشكل استثنائي بعد قرار من لجنة إطلاق السراح المبكر والتي وافقت على الإفراج عنه بعد أن وصلت حالته الصحية إلى حد الخطورة القصوى ، وخوفاً من وفاته داخل السجون، ويضطر الاحتلال إلى تقديم تبريرات و إيضاحات واستفسارات، ويشغل كادره الذي يدير السجون عن التفرغ لابتكار كل ما من شأنه التضييق على الأسرى، في سين وجيم دون طائل .

 تحرر أبو احمد بعد 9 سنوات من الاعتقال ولكن  زكريا التي تحرر ليس هو نفسه زكريا الذي دخل السجون في شهر شباط من عام 2003، صقر الملاعب الفلسطينية، الرياضي الفارع الطول ، ممتلئ الجسم ، باسم الوجه ، صحيح الجسد ، لا يشكوا من اى علة أو مرض ، تعلو هامته نظره الأسد الهصور، التي أرعبت المحتل لسنوات طويلة وأذاقته كأس المرارة .

من خرج من السجون هو شخص أخر، صاحب وجه حزين شاحب ، عيون غائرة، جسد هزيل استوطنت فيه الأمراض، واستشرى فيه السرطان الفتاك، لدرجة انعدام الأمل في شفائه، يستلقى على احد الآسرة في مستشفى بيت جالا ، بالكاد يستطيع التحدث مع أهله وأبنائه ومحبيه الذين انهالوا على المستشفى لزيارته والاطمئنان عليه  بعد الفراق القصرى، وهم لا يصدقون بأنهم يرونه حياً رغم خطورة حالته ، فقد كانت كل التقديرات تشير إلى استشهاده داخل السجون ، بعد أن دخوله في غيبوبة طويلة ، ورفض الاحتلال إطلاق سراحه في بداية الأمر .

هكذا بدت الصورة داخل المستشفى، واضحة لا لبس فيها .. فشتان ما بين زكريا قبل تاريخ اعتقاله ، وما بين زكريا الآن بعد أن أمضي تسع سنوات خلف أسوار السجون اللعينة، وهكذا يقتل الاحتلال أسرانا داخل السجون بعد أن يتركهم فريسة للأمراض تفتك بأجسادهم الضعيفة دون رحمه أو شفقه، حتى تستفحل الأمراض في أجسادهم وينعدم الأمل في شفائهم ، ثم يتكرم عليهم بالخروج من السجن ليواجهوا مصيرهم المحتوم إما بالموت العاجل أو البطئ بعد رحلة معاناة وألم وعلاج وتنقل بين المستشفيات وقضاء الأسابيع والشهور في التحاليل الطبية وصور الأشعة والعمليات، وتناول أكوام الدواء والتي لا تفلح غالباً في التخلص من أثار السجن وأمراضه .

ولا زالت صورة الأسرى الذين قضوا نحبهم ماثلة في أذهاننا وأخرهم الأسير المحرر الشهيد "وليد شعت" الذي انتقل إلى جوار ربه يشكو له ظلم العدو وتخاذل الصديق بعد أن أمضى 18 عاماً من عمره في سجون الاحتلال ولم يمضى على إطلاق سراحه سوى سبعة أشهر فقط ، ولا زالت روح الشهيد الأسير المحرر " فايز عبد المهدى زيدات" من الخليل الذي عانى من مرض السرطان في السجون، ووافته المنية بعد أن أطلق الاحتلال سراحه بستة أشهر فقط، تطوف حولنا، وكذلك الأسير المحرر الشهيد " مراد أبو ساكوت" الذي استشهد بعد صراع مع مرض عضال أصيب في السجون، وغيرهم العشرات من الأسرى المحررين الذين نخرت الأمراض  أجسادهم وتربعت فيها ، وقضوا نحبهم بعد فترات قصيرة من إطلاق سراحهم من سجون الاحتلال، هذا إضافة إلى من ينتظر .

فهل ينضم زكريا إلى قائمة الشهداء بعد أن استحكم المرض في جسده وفعل به الأفاعيل، وان حصل ذلك هل سيحرك استشهاده تلك الضمائر التي ماتت ولم تعد تسمع أو ترى سوى الأكاذيب التي يروجها الاحتلال ، فى نظري كمختص فى شئون الأسرى ، سيطوى ملف ابواحمد كما طويت الكثير من الملفات ، وسنكتفي نحن بنشر خبر صغير يعلن عن وفاة أسير محرر، وان كنا كرماء سيصرف لذويه راتب شهيد ، ومن سيعانى من الحسرة ويشعر بالفراق هم أبنائه وذويه، أما العالم المتحضر الانسانى فان سمع اصلاً بهذا الحدث فانه سسيكتفى بإبداء الأسف فقط !! .