ظن الفلسطينيون أن رياح التغيير التي تهب على المنطقة العربية ستؤثر على الجامعة العربية وقراراتها ومواقفها، وزاد هذا الظن تولي الدكتور نبيل العربي الأمانة العامة للجامعة، خاصة بعد مواقفه المشرفة التي ظهرت خلال توليه حقيبة الخارجية في حكومة الدكتور عصام شرف في مصر.
ولكن بحجم الأمل كان التوقع، فالأمل كان كبيرا بأن يشهد الموقف العربي انتفاضة مختلفة، ولكن مع الأسف أصيب المواطن الفلسطيني بخيبة أمل كبيرة؛ نتيجة الموقف التقليدي للجامعة العربية التي تداعت لمدارسة العدوان الإسرائيلي على قطاع، والذي حدث بعد الاجتماع هو قيام الأمين العام للجامعة العربية بسحب بيان من على أرفف الجامعة، استغرق وقتا وهو ينفض عنه الغبار وألقى به إلى سكرتير الجامعة، محدثا تغييرا طفيفا على البيان بتغيير تاريخ إصداره.
الموقف هو الموقف مع الأسف، التنديد والاستنكار واللجوء إلى الأمم المتحدة، موقف الضعيف الذي مازال يعيش في القرون العربية الوسطى ولم تصبه بعد رياح التغيير التي تهب على العالم العربي، خاصة أننا شهدنا في الساعات القليلة سقوط طاغية جديد من طغاة العرب معمر القذافي، كل ذلك لم يؤثر على مجلس الجامعة الموقر في إحداث تغيير في منهجه وتفكيره وقراره.
الموقف في فلسطين، وفي غزة ، وفي القدس التي نعيش ذكرى إحراق مسجدها الثانية والأربعين على يد يهود، لم يعد يحتمل بيانات التنديد والاستنكار لأن المرحلة تجاوزت مثل هذه البيانات؛ لأن المرحلة بحاجة إلى بيانات مواقف وخطوات عملية تجعل العدو الإسرائيلي يعيد التفكير في التعامل مع الشعب الفلسطيني، وتجعله يحسب ألف حساب للموقف العربي، الذي بات أضحوكة من ضعفه وركاكته وعدم الاهتمام به، وطالما أن الموقف العربي هو تنديد واستنكار سيبقى العدو الإسرائيلي يمارس دمويته وإرهابه ضد الشعب الفلسطيني؛ لأنه على قناعة أن أحدا عربيا لن يحرك ساكنا، والفلسطينيون ضعاف ولا يملكون كثيرا من القوة تؤهلهم لإيقاع الضرر الكافي للردع.
ويأتي الشق الثاني من الموقف العربي وهو التوجه إلى الأمم المتحدة، الأمم المتحدة التي لم تزد الشعب الفلسطيني إلا وبالا وظلما وضياعا لحقوقه، أليس الأمم المتحدة هذه هي التي بررت العدوان الصهيوني على قطاع غزة؟! أليس الأمم المتحدة هذه هي من شارك المغتصب الصهيوني وأقر له بحق في أرض فلسطين؟! أليس الأمم المتحدة هذه التي لم تحترم يوما قرارا أصدرته ينصف الشعب الفلسطيني، وبقيت قراراتها طي الأدراج أو على أرفف مكاتب الأمم المتحدة؟!
الكلام في الأمم المتحدة كثير، وهو لا يخفى على جامعة الدول العربية وهي على قناعة أن الأمم المتحدة لم تنصف يوما الشعب الفلسطيني ولن تنصفه مستقبلا؛ كونها خاضعة بالكامل لإمرة الإدارة الأمريكية، والإدارة الأمريكية تتبنى الموقف الإسرائيلي؛ لذلك لن تجعل من الأمم المتحدة أداة لإدانة (إسرائيل) والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني.
الجامعة العربية مطالبة اليوم أن تكون صاحبة موقف جاد وعدم الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار، وعدم الاعتماد على الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها وإن توجهت له فكنوع من رفع العتب، ومطلوب من الجامعة العربية عدم التساوق مع الموقف الفلسطيني الصادر عن سلطة رام الله أو منظمة التحرير، وتبرير بعض مواقفها بأنها منطلقة أو متوافقة مع الموقف الفلسطيني؛ لأنه ليس من المنطق والإنصاف التساوق مع الموقف المنهار للسلطة والمنظمة، بل المطلوب هو تصميد وتعزيز الموقف الفلسطيني بما يتلاءم وحقوق الشعب الفلسطيني، وليس التساوق مع الموقف الهزيل الذي يتناقض مع حقوق الشعب الفلسطيني ومصالحه.
نحن بحاجة إلى موقف عربي قوي يشكل مانعا أمام الإرهاب الصهيوني، ويكون له ما بعده، المطلوب من الجامعة العربية نفض غبار الماضي، نفض حالة الانهزام التي اعترتها عبر عشرات السنوات، الجامعة العربية يجب أن تعيد منظومتها بما يتلاءم مع التغيير الحادث في الشارع العربي، وعدم الارتكاس إلى الماضي الذي شكل وصمة عار على جبين الجامعة.