لماذا تستغرب حركة حماس تصريحات أمين مقبول، أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح؟! هل قال الرجل غير الحقيقة حين أكد أن الإفراج عن معتقلي حماس في سجون السلطة ليس من صلاحيات حركته.
والحال أن الرجل لم يقل سوى نصف الحقيقة ممثلة في عجز حركة فتح عن الإفراج عن المعتقلين، لكن الجزء الثاني من كلامه لم يكن صحيحاً بالكامل حين وضع الأمر بيد الرئيس والأجهزة الأمنية.
صحيح أن الرئيس والأجهزة المذكورة هم الذين يديرون السلطة وبوسعهم الإفراج عن المعتقلين لو أرادوا ذلك، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، ولا بد من التنسيق مع مرجعيات أخرى تتمثل في الجهات الأمريكية التي تشرف على عمل الأجهزة (خليفة الجنرال دايتون هو الجنرال مايكل مولر)، وهذه الأخيرة لا تتحرك إلا بالتنسيق مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
حتى هذه اللحظة ورغم توقف المفاوضات، ورغم الجدل حول ما يسمى استحقاق أيلول، إلا أن الدوائر الإسرائيلية لا تكف عن منح شهادات حسن السلوك للأجهزة الأمنية الفلسطينية ولحرصها على التنسيق الأمني ومنع أية نشاطات مسلحة، أو حتى نشاطات جماهيرية واسعة يمكن أن تعكر صفو الهدوء في الأراضي المحتلة.
منذ صراعه مع الراحل ياسر عرفات على صلاحياته كرئيس للوزراء، بل منذ اعتراضه على انتفاضة الأقصى، والمقاربة السياسية للرئيس الفلسطيني محمود عباس لم تتغير، وخلاصتها الوفاء الكامل لشروط إنشاء السلطة إثر اتفاق أوسلو، وبعد ذلك بنود خريطة الطريق، وهي الحفاظ على أمن الاحتلال (محاربة الإرهاب بحسب خريطة الطريق) مقابل الاستمرار في عمل السلطة ومد سيطرتها على المدن وتجمعات السكان الفلسطينيين، وكذلك الحصول على الأموال الخاصة بها (أموال الجمارك) وأموال المانحين الدوليين، مع استمرار المفاوضات مهما بلغ مداها الزمني. وحين كان الرجل يهجو انتفاضة الأقصى كان يشير إلى عودة الجيش الإسرائيلي إلى المناطق التي انسحب منها خلال النصف الثاني من التسعينيات، وهي مناطق أ بحسب تصنيفات أوسلو، وبالطبع بسبب العمل المسلح (العسكرة بحسب وصفه).
كلام أمين مقبول كان صحيحاً إلى حد كبير، فقد خرجت الحركة عملياً من دوائر التأثير في السلطة بشقيها الأمني والمالي، إذ أن المالي بيد سلام فياض، فيما الأمني بإشراف مايكل مولر، وبتنسيق مع ضباط كبار تم اختيارهم بعناية وخضعوا لاختبارات ولاء ولقاءات لا تحصى مع الطرف الإسرائيلي. ولا ننسى حكاية «الفلسطيني الجديد» الذي اخترعه الجنرال دايتون، بحسب محاضرته الشهيرة قبل سنوات.
هل يعني ذلك أن السلطة غير قادرة على الإفراج عن المعتقلين في سياق أية مصالحة بين حماس وفتح؟
ليس الأمر كذلك، إذ أنها ستكون قادرة على فعل ذلك من دون غضب الإسرائيليين في حال نالت بنود المصالحة رضاهم، لاسيما أن غالبية المعتقلين في سجون السلطة ليسوا مطلوبين للطرف الإسرائيلي، بينما نجد أسرى في سجون الاحتلال مطلوبين للسلطة وصدرت أحكام غيابية بحقهم، ولذلك يمكن الإفراج عن المعتقلين من دون أن يشكل ذلك خطراً أمنياً، لاسيما أن سياسة الملاحقة وتفكيك البنية التنظيمية للحركة لن تتوقف من الطرف الإسرائيلي.
المطلوب بالنسبة للإسرائيليين هو اعتراف حماس الضمني بالوضع القائم في الضفة من حيث إيمانه بالمفاوضات، وبالسلطة/ الدولة، من دون استخدام أدوات العنف، بما في ذلك الانتفاضة الشعبية العارمة على شاكلة احتجاجات الربيع العربي (استمرار الاعتقالات رغم توقيع المصالحة هدفه الضغط على الحركة). وإذا ما تم ذلك، فلا مشكلة في الإفراج عن المعتقلين الذين يوجد لحماس في سجون الاحتلال حوالي عشرة أضعافهم.
هذا هو الواقع الفلسطيني الذي يراوح بين وضع غزة (شبه المحررة) التي لا تجد غير التهدئة خياراً مع الانشغال بتأمين متطلبات معيشة الناس، وبين الضفة التي تسعى لأن تكون دولة تحت الاحتلال تواصل التفاوض مع جارتها إلى أمد غير معلوم، ودائماً بشروطه وسطوته على كل شيء.
لا أفق للفلسطينيين تبعاً لذلك سوى الانتفاضة الشعبية العارمة التي ترفض مخرجات أوسلو برمتها. انتفاضة تشتبك مع الحواجز والمستوطنات ولا تخضع لمعيار غير معيار رفع كلفة الاحتلال. والسؤال هو، هل يمكن لحملة بطاقات الفي آي بي ومن يدير أبناءهم «البزنس» بعشرات الملايين أن يتخذوا قراراً من هذا النوع؟! نترك لكم الإجابة.