في (إيلات) دروس وعِبر. لم تعلن أية جهة مسئوليتها عن عملية إيلات الفدائية، وأتمنى أن لا تعلن لاحقًا، وأتمنى أن يكون الغموض الإيجابي منهجًا. عند تحديد المسئولية تستفيد مخابرات العدو معلومة مهمة دون مشقة. المعاملة بالمثل أولى. كثيرة هي أعمال الموساد التي لم يعلن عنها وأحاطها بالغموض. الغموض ينزع عمل الشيطان، ويكشف نقاط الضعف عند العدو، وهذان درسان مهمان.
ومن دروس إيلات الإعلان عن تمسك الشعب الفلسطيني بحقه المشروع في مقاومة المحتل الغاصب. الاحتلال هو المسئول عن الدماء التي تنزف، وهو المسئول عن ديمومة الصراع. قد تَفْتر المقاومة لفترة، وقد تهدأ لفترة، غير أن الشعب المحتل لا يملك بديلاً عنها لانتزاع حقوقه. لقد أعطى الشعب الفلسطيني المجتمع الدولي، والقيادات العربية والفلسطينية فرصًا عديدة وأوقاتًا كافية لإزالة الاحتلال، ولكن الجميع فشلوا فشلاً ذريعًا، إذ مازال الاحتلال يشتد وطأة، ومازالت معاناة الشعب في تفاقم مستمر.
غزة ليست المسؤولة عن الدماء، ولا عن الصراع. الاحتلال هو المسئول الأول والأخير، وعمليات الانتقام التي قامت بها طائرات العدو في غزة ورفح لن تُغَيّر من طبيعة المسئولية، فأينما كان الاحتلال كانت المقاومة. وتحميل المسئولية لغزة هو نوع من الهروب من حالة الفشل التي كشفت هشاشة الاحتلال، وهي نوع من طبيعة القوة الغاشمة التي تُميّز الاحتلال الصهيوني والاستعمار أينما كان بشكل عام.
غزة صامدة رغم شراسة الطيران، وغزة ستدافع عن نفسها بكل ما تملك من قوة. غزة صبرت وصمدت وقاومت وانتصرت ولن تركع لتهديدات المحتل الغاصب. غزة تدافع عن كرامتها وعن دينها، وعن الأمة بأسرها، وتهديدات نتنياهو وباراك لن تغير من معادلة الصمود والصبر، بل ستكون سببًا في إيقاظ الغافلين.
ومن الغافلين (بان كي مون، وقيادات واشنطن والغرب) الذين أبصروا الدماء الصهيونية ولم يبصروا الدماء الفلسطينية، هؤلاء الذين توقفوا عند المقاومة شاجبين، ولم يتوقفوا عند الاحتلال شاجبين. هؤلاء وقادة الاحتلال (بعضهم أولياء بعض)، يتألمون فقط لألم المحتل الغاصب، ولا تدمع أعينهم لطفل مسلم غزي حين تقتله طائرة (إف 16). ولاية "بان"، وأشتون، وقادة الغرب لباراك ونتنياهو تثير في النفوس المؤمنة حنقًا، وتزيد النيران اشتعالاً؛ لأن حركات التحرير تبحث عن العدالة.
إن وقوع عملية إيلات الفدائية في شهر رمضان المبارك هو نوع من البحث عن العدالة الغائبة التي حُرم منها الشعب الفلسطيني، ففي هذا الشهر تصفو نفوس المؤمنين، وتلتصق أفئدتهم بالآخرة، فيبصرون حق الوطن كما لا يبصرونه في غير رمضان، فشهر رمضان كان قديمًا ومازال بركة على المؤمنين ونقمة على الكافرين، وسيبقى شهر الله كذلك حتى ينال الشعب الفلسطيني العدالة التي من أجلها حملت المقاومة السلاح، والتي من أجلها كان الشهداء وكانت الأسرى فرج الله كربهم، ورحمهم الله برحمته الواسعة.