1- مدخل
أشهر محاكمات القرن العشرين: محاكم نورمبرغ. تلك التي حاكمت أعداء اليهود من دون العالمين.
وأشهر محاكمات القرن الحادي والعشرين: محاكمة الرئيس المخلوع محمد حسني السيد مبارك..
ودمجاً لهما معاً إذ هما الأشهر جعلناها محاكمة مباركبرغ. ولأنه أشهر المدافعين عن "إسرائيل"، وأكثر العاملين لحماية "إسرائيل". وهو حبل الناس الممدود لإنقاذ "إسرائيل"، وخنق كل صوت وكل حامل راية مقاومة لـ"إسرائيل".. فهو "مباركبرغ".
وإذا كان كاتب غربي (لعله يهودي) نحت لمبارك اسماً من اسم "روبرت مردوخ" أو "مردوك" فقال "محمد حسني روبرت مباردوك" بجامع أنهما عجوزان سيئان ويتعرضان لفضيحة مدوية.. فإذا كان المستفيدون من مبارك ينحتون له اسماً من أسماء اليهود، أفلا ينحت المتضررون والمتضورون له اسماً كذلك؟
2- مبارك "نقاوة عين" أمريكا!
حسني مبارك وعباس وفياض، فرضتهم أمريكا على المنطقة فرضاً، بحيث لا مناص ولا محيص ولا مفر. فالسادات وعرفات كل منهما متأله لم يكن ليرضى فكرة وجود نائب له. حتى فرضت أمريكا حسني مبارك على السادات.. وعباس على عرفات ثم سلام "التمام" الفياض على عباس. وحاول عرفات أن يتململ ويتحلل من هذا الكابوس، فوجد في النهاية أنه "لا بد مما ليس منه بد". ثم تتحدث أمريكا عن ضرورة الإصلاح في المنطقة وهي من أفسدت المنطقة وفرضت عليها كما يقول العراقيون "بالقندرة" هذه الأشكال، كما أتتنا بالمالكي وأضرابه في العراق. وهم الفساد والفساد هم. وهم المفسدون في الأرض.
باختصار هذه النماذج السيئة جداً هي رجالات أمريكا وخيرتها، فهل يصدق مجنون أن أمريكا تريد الإصلاح في المنطقة؟
3- الدول العربية "المؤثرة" ضد المحاكمة
الدول العربية "إياها" تقف بكل ثقلها (!!) ضد محاكمة مبارك. إنهم حراس الفساد، وحماة ظهر رجال "إسرائيل" وأمريكا. فما إن يترنح منهم مترنح حتى يسارع كل هؤلاء بإسناده وتسنيده وتثبيته وتدعيمه وإمداده. لماذا يُتعاطف مع فرد طاغ فاسد مفسد دمر بلده لصالح "إسرائيل" وحاصر غزة لصالح "إسرائيل"، ونهب ثروة بلده وأذل شعبه وهدر كرامته؟ لماذا إلغاء سلطة القضاء وتعطيله لصالح مجرم؟ القضاء هو الجهة المخولة أن تنظر في أمره تبرئة أو اتهاماً لا السياسيون. ولماذا كسب عداوة الشعوب؟ ولماذا الاستهتار بمشاعرها؟ ثم أين الإسلام الذي يزعمه هؤلاء الزاعمون الداعمون لكل فاسد مفسد في المنطقة؟ بل إن هذه الدول ربطت المساعدات بعدم تعرض هؤلاء للمحاكمات! وتجوع الأمة الحرة ولا تأكل بهدر كرامتها وتعطيل العدل فيها.
4- جانب العبرة في المحاكمات
الحمد لله أن بلغنا الزمان الذي نرى فيه الفراعين المتألهين أذلة صاغرين. الحمد لله الذي عزز يقين المؤمنين بما أراهم من آياته في أعداء كتابه وآياته! من هؤلاء المجرمين الطاغين.
والأصل أن الناس تعتمد على إيمانها في فهم الأحداث، ولكنها بين الفينة والأخرى تحتاج إلى شواهد عملية تدعم هذا الإيمان وتثبته. من هنا قال الله في محكم كتابه: "سنريهم آياتنا.." "الحمد لله سيريكم آياته" لقد تدعم يقين المؤمن بقول الله: "ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون" "لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم" لم يضع هباء دعاء المقهورين المحصورين في غزة، وقد وضعهم –شعباً كاملاً- وراء جدار حديدي، فوضعه الله وراء الجدار الحديدي، وانهدم جدار غزة. "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".
ولم تضع دعوات أم أحمد التي فقدت وليدها الذي انتظرته 16سنة فولدته في الشارع لأن موكب "مباردوك" أو "مباركبرغ" أو "مبارك باراك" أو ما شئت، كان موكبه يمر فولدت ومات وليدها وظلت من يومها تدعو عليه بأن ينتقم الله منه. وما خاب رجاؤك ولا دعاؤك أيتها المظلومة المكلومة.
هذا الذي كدس مئات المليارات لتظل لأبنائه وأحفاده وسلالته من بعده، فما انتفع منها بشيء، بل أكسبته الخزي وجللته بالعار، والذي ما ترك الدرهم والدينار كالفاروق وصلاح الدين، ما زال وسيظل يذكر اسمه بكل الفخار والإكبار! والعبرة أكبر من كل ما نقول.. لكن لمن يعتبر!
5- إذا الشعب يوماً أراد..
قبل أن يتحطم الصنم، وقبل أن يتهاوى ويطيح، ظل الشعب في الميدان الفسيح يردد بلسان عربي فصيح: الشعب يريد محاكمة الرئيس. فلما تنحى بعد لأي تباطأ المجلس العسكري في إجراء المحاكمات بدعاوى صحة الرئيس، وهو الذي كان يحقق مع جرحى غزة وجراحهم تنزف بين الحياة والموت، لم يرحم جراحهم، فلماذا هو يُرحم؟
فأخرج الشعب مليونية تطالب بإجراء المحاكمة ونقل الرئيس المتنحي المخلوع من المنتجع في شرم الشيخ إلى سجن طرة في القاهرة، حيث كان يسجن الأبرياء! وكان للشعب ما أراد! فصدق فيهم قول القائل:
إذا الشعب يوماً أراد محاكمة الرئيس فلا بد أن يستجيب مجلس العسكر!
6- مؤسسة الفساد الوارثة!
إن الفساد مؤسس متجذر في الحياة العربية. ومن زعم أنه يريد الإصلاح فلا أظنه يعني ما يقول على أحسن الظن! لأن الفساد هو رسالة "إسرائيل" وأمريكا في العالم فمن حاربه حاربهما! فمن يجرؤ على هذه المهمة؟
أقول: إن مؤسسة الفساد في كل من تونس ومصر استمرت بعد زوال الطاغوتين. والقضاء الذي يحاكمهما ما هو إلا ما غرست أيديهما، ونتاج ما بذروا ودمروا. فلا يتوقع أن تسير الأمور كما يشتهي الشعب وتتمنى الأمة وتحلم به الجماهير. ومع هذا فإن مجرد المحاكمة ومجيء هؤلاء في "البوكس"، وحجزهم وراء القضبان، ومناداتهم وإجابتهم: "حاضر يا أفندم!"، كل هذا بحد ذاته إنجاز، وليكن انتقاص المطلوب ما يكون.. فيكفي أن رآهم الناس في قمة الهوان والذل والخذلان والخسران..
7- سرير المرض.. استعطاف.. واستخفاف
كان بالإمكان الإتيان بمبارك على كرسي متحرك، لكن القوم أتوا به على سرير المستشفى، وأعتقد أن هذا كان من باب استجلاب الاستعطاف، والشعب المصري شعب سمح عاطفي رقيق. وخطاب مبارك الذي استعطف فيه الشعب المصري كاد يشق صفوف الثوار من رقة الشعب المصري. ولولا البلطجية ووقعة الجمل لكان الأمر في اتجاه آخر.
واليوم يأتون به على السرير، وعيونه تدور في رأسه تبحث في الوجوه في القاعة، ليس صنيع من هو في وضعه! ووضع يديه تحت رأسه، وصوته الجهوري: "حاضر يا أفندم" لا يدل على مريض متهالك.
فهذه الحركة سوى أنها استعطاف هي استخفاف بعقول الناس، واستهتار وتوهم أن الناس لا يقرأون التفاصيل.
8- بين محاكمتين: مبارك والزين
ومثلما نحتنا لمبارك اسماً من أسماء اليهود فلنصنع بالزين ما صنعنا بالمتعوس، فنقول: محاكمة مباركبرغ وزينوفتش.
جرت محاكمة سريعة للشين حكم عليه غيابياً، لأن بلداً عربياً يحتفظ به حتى لا تطاله العدالة.. حكم عليه بخمس عشرة سنة.. مع أنه دمر بلداً وخدم العدو الصهيوني بما يستحق عليه إعدامات. ونهب ثروة شعب، وبدد مستقبل أمة.. وقتل الآلاف بشكل مباشر، سوى من قتلهم بصورة غير مباشرة..
والآن لا ندري ما المهزلة التي ستنتهي إليها الأحكام على مبارك، نتيجة ضغوط خارجية، وداخلية عربية ودولية..
فالمحاكمة في الحالين ما زالت تشم فيها رائحة العهد البائد.
9- بين مبارك وصدام!
حاكم الاحتلال من خلال العملاء في العراق والمستجلبين، حاكم صدام حسين، وحكمه بالإعدام، وهو أي الاحتلال الذي يقيم الدنيا على أحكام الإعدام. فأعدموه في يوم عيد الأضحى في رسالة فاقعة السفور والتحدي لمشاعر المسلمين، فبكته الملايين، واغتم العالم الإسلامي كله، باستثناء المستجلبين المتعاونين مع المحتلين!
وكان صدام طيلة المحاكمات مثال الشموخ والتحدي، هذا الذي أعدم وآخر كلماته بعد الشهادتين: عاشت فلسطين حرة عربية. فهل يذكر مبارك إذا أعدم اسم فلسطين وهو الذي حارب شعبها وحصره في قطاع غزة.. وحاصره، وتعاون مع من حاربه!؟
إعدام صدام صورة لما تريده أمريكا ممن فكر ببناء بلده، والتواطؤ مع مبارك صورة لما تريده ممن خان بلده وشعبه وأمته، ودمر مقومات وطنه.
خلاصة القول: إن جوانب الحديث في محاكمات مبارك عديدة، وما طرحنا منها إلا قليلاً من كثير.. لعل في هذه المحاكمة عبرة لمن يعتبر من الزعماء فينزجر عن قصف الناس بالدبابات، لأن المحاكمات مفتوحة ولن تتوقف.. حتى يلحق عالمنا العربي بالعصر!
وعبرة للشعوب فتثبت على المطالبة بحقها حتى يتحقق لها ما تريد من العزة والكرامة والنصر..