جرش في ذاكرة عموم الأردنيين هي مدينة الآثار والمهرجان، أما الآثار فلحــــــضارة بائدة ضالة شيدت العمران وقللت قدر الإنسان، وكانت تقتله وتمثل به في مباريات المجالدة لأجل التسلية، وأضلّت العالم وأشغـــــلته حتى يومنا هذا بآلهة وأوثان من صنع البــــــــشر لا حظ لها من خلق رفيع ولا قيم نبيلة. وأما المهرجان فهو وريث تلك الحضـــــــارة التي تقدم الرخيص والرديء باسم الفن والثـــــــــقافة، ولعل في هذا رسالة أكبر من ذلك تنبئ بأن الاستمرارية على ضلال الأوائل قد يوصل لنفس نهايتهم ونصبح نحن للمتأخرين مجــــــــرد آثار بلا أثر، وأمما مرت على أراضيـــــهم بدون رسالة.
ولكن هذا الوجه القبيح الذي تتفنن وسائل الإعلام في إبرازه لا يمت بصلة للإنسان والأرض الجرشية الأردنية العربية، كما يركز على تقديم التاريخ الروماني واليوناني للمدينة ويتناسى تاريخها الإسلامي وقد دخلت حوزة الحكم الإسلامي سنة 13 هجري/ 634 ميلادي بالفتح السلمي على يد الصحابي شرحبيل بن حسنة.
يقول المؤرخ الدكتور يوسف غوانمة إن مدينة جرش قد تبوأت مكانة ممتازة في العصر الإسلامي، فالمسلمون أبقوا على كل المعطيات الحضارية في البلاد المفتوحة، واستخدموا البيوت والمنشآت العمرانية في مدنها بعد أن قضوا على المعالم الوثنية فيها ثم أضافوا إليها أبنية أخرى كالقلاع والمساجد والمدارس. كما تثبت المصادر التاريخية الإسلامية أن جرش ظلت مأهولة بالسكان في العصرين الأيوبي والمملوكي، وقد وصفها ياقوت الحموي في معجم البلدان بأنها مدينة عظيمة وقد قصد إليها المتنبي ممتدحا صاحب جرش عام 333 هجري، وفي عام 1878 استقبلت جرش الشراكسة الذين لجؤوا إليها من الاضطهاد الروسي.
لقد عاينت الوجه الحقيقي لمدينة جرش عن قرب، فرأيت رجالها يحرصون على النساء وتعليمهم وتثقيفهم ودمجهم في العمل المجتمعي، ورأيت النساء على مستوى عال من العلم والالتزام والوعي على عكس الصورة النمطية التي تظهر المرأة الأردنية في الأطراف غير العاصمة مقهورة مقموعة جاهلة!!!
رأيت في جرش، على الرغم من محاولات إسقاطها في حبائل الرذيلة التي يجيء بها المهرجان، المحافظين والملتزمين وأهــــــــل النخوة والكرم والضيافة المتمسكين بالهوية الاسلامية الأردنية العربية في وجه التغريب والإفساد.
رأيت في جرش رقة حال كثير من الناس والتي أصبحت سمة منتشرة في مجتمعنا بسبب الفساد السياسي والاقتصادي، ورأيت تقصيرا في الخدمات العامة، وهي الصورة التي لا تظهرها الكاميرات والتلفاز!
بين الطيبين الصالحين من أهل جرش ستدرك أنها نموذج لسنة الله في الكون، حيث يتدافع الخير والشر والصلاح والفساد الى أن يقضي الله بانتصار المصلحين، فهل يقف أبناء جرش لمن شوهوا صورتهم وصورة مدينتهم بالمرصاد، وهل تكون هذه آخر محطة لذلك المهرجان فلا يعود بعدها ليلقي رحله في الديار الجرشية؟