نومة مبارك ونومة عمر

نشر 15 اغسطس 2011 | 11:35

في عام 1661 استخرج البريطانيون جثة الحاكم الانجليزي أوليفر كرمويل وحاكموه على جرائمه ضد الكاثوليك، وأعدموه وحرقوا جثته وقطعوا رأسه وعلقوه على سارية أكثر من مئة عام للعرض العام!! لم يرحموه حتى وهو ميت، فالرحمة عندهم لا تجوز للميت الظالم، ولم ينسوا فظائعه بحق الشعب، وكان لا بد أن تصله يد العدالة البشرية، كما يفهمونها، حتى ولو خرج من دنيا البشر الى العالم الآخر!! جعلوه عبرة لمن يعتبر، وقد اعتبر رؤساؤهم من بعده فمشوا على صراطهم المستقيم فلا أحد، حتى الأموات، فوق المساءلة والعقاب!

 

أما نحن فشيء من دموع التماسيح قد يُبكي العرب أصحاب القلوب الضعيفة، فنعفو عما سلف والمسامح كريم والمجرم كما يتقن الدكتاتورية والغطرسة يتقن كذلك التمثيل وسياقة الهبل على الشيطنة، أو ربما هو المنصب الوجود فيه يحيي العظام وهي رميم، والخروج منه يشيب الولدان ويسقم الجسد وينزع الروح من الجسد نزع الشوك من الصوف المبلول!

 

هو يوم من أيام الله يوم أدخل مبارك القفص بغض النظر عن النهاية كما كان يوم قتل السادات، يوم انتصر فيه المظلوم على الظالم، وأنفذ الله القوي الجبار حكمه في الذين خانوا الأمة وباعوا دينهم ودنياهم بكراس حسابها عسير، وطول بقائها قصير، والقائم بحقها قليل!

 إن ما رأيناه فشفى صدرونا في دنيانا لا شيء من المدخر لهم في الآخرة فقد ورد في الأثر "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه فأدخل عليه الجور في حكمه".

 

مبارك الفرد الضعيف على سرير المرض يتوقع أن يستدر عطفنا، لأنه لا يدري أن قلوبنا قست، وقد تجرعت المر كؤوسا ونحن نشاهد بعجز قليلي الحيلة الذين حاصرهم بالجدران في غزة، وهم لا يستطيعون الوصول الى أسرة المستشفيات، وإن وصلوها لا يجدون علاجا فيكون سرير الشفاء هو سرير الموت الذين يلفظون من فوقه آخر أنفاسهم؟ وكيف نتعاطف أو نسامح بلا قصاص وهو ما زال ينكر ما اقترفته يداه وما خفي عنا أعظم؟!

 

في عرف النفس البشرية السوية المرض وفقدان السلطة من مرققات القلوب، ومناسبة لمراجعة النفس، وربما التوبة، ولكنه الران قد طمس على قلوب الرؤساء فلا يستوي عليهم ما يستوي على البشر، وبقية الرؤساء سينظرون أن هذا يحصل للآخرين فقط أو في بيت الجيران، وأنهم في مأمن من غضب الله وغضبة البشر، فبالنهاية هم ليسوا مبارك الذي لم يخض حربا ضروسا برأيهم، هم مثل نيرون حاكم روما الذي لا يخرج من منصبه الا بحرق البلاد وإهلاك العباد.

 

نام مبارك حقا أو تمثيلا بذلة المذنب المسجون الذي فرح شعبه والعرب بقصاصه، وينتظرون له نومة مثل نومة شارون يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ، ونام عمر بن الخطاب حرا صحيح الجسد مطمئن القلب قرير العين دون حرس ولا رفقة الا من أنسه بالله وسيرة العدل في الناس.

 

هي نومة قصيرة أو طويلة سينامها كل الرؤساء، ومن نجا من محكمة الدنيا لن ينجو من محكمة الآخرة ثم تنتظرهم قيامة أكيدة فحساب والحكم عدل يحصي ويستنسخ ما كانوا يعملون من مثقال الذرة الى قتل النفوس بغير حق.

 

كتب رجل الى الحجاج وقد ظلمه قائلا: "لقد مضى من بؤسنا أيام، ومن نعيمك في الدنيا أيام، والموعد القيامة، والسجن جهنم، والحاكم لا يحتاج الى بينة ثم قال:

ستعلم يا نؤوم اذا التقينا     غدا عند الإله من الظلوم

سينقطع التلذذ عن أناس    أداموه وينقطع النعيم

الى ديان يوم الدين نمضي    وعند الله تجتمع الخصوم

 

لقد كفّى شعب مصر ووفّى وضرب المثال، فهل تبني الشعوب العربية على انجازاتهم أم لا ينفعهم التعليم والقدوة؟!

هي رسالة كان الرومان يحرصون على تذكير رؤسائهم بها فكان ينصبون مناديا على باب روما كلما دخلوا وخرجوا يقول لهم: "تذكر أنك بشر... تذكر أنك بشر".