رُد قلبي

نشر 13 اغسطس 2011 | 02:15

"رُد قلبي" رواية يوسف السباعي التي جعلته فارس الرومانسية الأدبية و رائدا في الكتابة عن العلاقات الإنسانية شابهتها أو تفوقت عليها العديد من الأعمال اللاحقة و التي تتناول موضوع الحب و آهاته و عذاباته التي لا بد منها لإدراك شهده. و لعل الحب بين رجل و امرأة هو أحد أشكال الحب البشري التي لا بد أن يعتريها النقص مهما كملت، و الفقد إن طالت هذا إن سلمت من أشكال العقوق و الإيذاء في زمننا هذا الذي يقسّي الرقيق و يغلّظ الناعم، و يجعل الطيب لئيما، و الحصيف فيه من أصبح ذئبا حتى لا تأكله الذئاب!!!

إنه الزمن الذي لم تعد فيه الأم مبرورة، و لا البنت مستورة، و لا الزوجة مرعية، و لا الأوطان مفدية!!

غير أن هناك حبا إذا تمكن من القلب استقر به المقام، لا تبليه السنون و لا تغيره الظروف و لا يعرف الملل و لا تأخذه السِنة و لا الغفلة: إنه حب الله الذي إذا شع نوره في القلب أضاء على الناس،فيصبح العبد حبيبا الى الله الذي يحببه الى الناس و يكتب له المحبة في الأرض، و بحب الله تُفتح له مغاليق القلوب، و تُمهد له صعاب الدروب

لقد خلّص الله سبحانه و تعالى قلب حبيبه المصطفى من كل ما سواه من علائق بشرية فذهبت الأم و الزوجة و الولد و آذاه أهل البلد، و محمد صلى الله عليه و سلم قلبه متعلق بالحب الأكبر يرى المنع عطاء، و لا يقول الا ما يرضي ربه و يدعو "اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب، و ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب"

لقد أدرك أحد الصالحين هذه المنزلة من محبة الله فمر على رجل يبكي على قبر فقال له: "ما الذي يبكيك؟ قال الرجل: أبكي على من أحببت ففارقني، فرد عليه: ذنبك أنك أحببت من يموت و لو أنك أحببت الحي الذي لا يموت لما فارقك أبدا"

لقد صبر حب الله السابقين على المكاره و الابتلاءات بل كانوا ينتظرونها كعلامة على محبة الله لهم ،و كانوا يرون في محبته سبحانه عوضا عن الدنيا و ما فيها، فابتهلت إليه رابعة العدوية قائلة:

فليتك تحلو و الحياة مريرة          و ليتك ترضى و الأنام غضاب

و ليت الذي بيني و بينك عامر     و بيني و بين العالمين خراب

إن صح منك الود فالكل هين        و كل الذي ف وق التراب تراب

في مواسم الله في أيام دهره نشعر كم هي قلوبنا بعيدة عن أنسها بالله و راحتها بقربه، و نلمس ذلك عندما تخطؤنا الدموع في موضع انهمارها، و يسلونا الخشوع في موضع صلاتنا، و تقف الكلمات في موضع دعاءنا، فالذي غفل قلبه طوال العام قد يجده صلدا و الباب دونه مقفلا الا أن يتوب و يوقف التيه في البحث عن الحب بين الناس، و يعود الى المنبع حيث الوصل الدائم و قرة العين التي لا تزول

يروى الإمام الحافظ بن رجب أن رجلا كانيبكي وينادي: أين قلبي؟ أين قلبي؟ من وجد قلبي؟فدخليوما بعض السكك، فوجدصبيا يبكي،وأمهتضربه،ثمأخرجته من الدار،فأغلقتدونه الباب،فجعلالصبي يلتفتيميناوشمالا،ولايدري أينيذهب،ولا أينيقصد،فرجعإلى بابالدار،فوضعرأسه على عتبته فنام،فلمااستيقظجعل يبكيويقول:يا أماهمن يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك؟ومنيدنيني مننفسه إذاطردتيني؟ومنالذي يؤويني بعد أن غضبت علي؟فرحمتهأمه فقامتفنظرت من خلل الباب،فوجدتولدها تجري الدموع على خدهمتمرغافي الترابففتحتالباب،وأخذتهحتى وضعته فيحجرها،وجعلتتقبله وتقول:يا قرةعيني وعزيز نفسي،أنتالذيحملتني علىنفسك،وأنتالذي تعرضت لما حل بك،لو كنتأطعتني لم يكن منيمكروها،فقالالرجل:قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي"

اللهم إنا نستودعك قلوبنا يا من لا تضيع عنه الودائع فردها إليك ردا جميلا و صرفها الى طاعتك