الطريق إلى دمشق

نشر 10 اغسطس 2011 | 03:25

يمتاز الإنسان من بين سائر المخلوقات بأنه كائن تاريخي، أو كائن ذو تاريخ، أو له تاريخ، أو يراكم التجارب المستفادة من التاريخ. وهذا يعطيه عقولاً إضافية، وأعماراً إضافية، وتجارب إضافية، مطلوبة كلها بإلحاح لإعمار الحياة وتقدمها، وتجنب عثراتها وعقباتها، والنجاح في اجتياز التحديات وحل المعضلات.

 

وبقدر ما يعيش الإنسان في الجغرافيا، فإنه يعيش في التاريخ. وكلما مضت به السنون قدماً إلى الأمام، زاد انغماسه في تربة التاريخ وامتدت عروقه وتغلغلت جذوره في أرض التاريخ.

 

والأمم الواعية تولي التاريخ عناية فائقة. والأمم الواهية اللاهية مزْورّة عن التاريخ ومزَوِّرة للتاريخ.

وعدونا الصهيوني لا يعْدله في الاهتمام بالتاريخ في الدنيا اليوم –فيما أرى- أحد، وبخاصة تاريخ الحروب الصليبية لأنه يماهي بين نفسه وبينهم، ويحاول أن يتجنب أن يصيبه ما أصابهم. وجل قادتهم قارئون للتاريخ. وأمة التاريخ التي علّمت الناس الاهتمام بالتاريخ أزهد الناس اليوم في التاريخ. وتاريخنا الإسلامي مشَرف مشْرق، ناصع، لا نشعر بغضاضة من أي صفحاته.. وخاصة حقبة الجيل الفريد من الصحابة الأماجد العظام الكرام. وبخاصة فتوح الشام على يد أعظم القادة العسكريين وفي ذروتهم وغرّتهم: خالد بن الوليد المدفون جثمانه الطاهر في مدينة حمص حماها الله. والذي قال عنه الصديق: عقمت النساء أن يلدن مثل خالد.

 

واليوم أمتنا تمر بمرحلة دقيقة مفصلية، تشهد تغيرات دراماتيكية ما أحوجنا أن نتملى صفحات التاريخ لا لنهرب من الواقع، معاذ الله، وإنما لنرشّد الواقع. وإلا فما معنى قوله تعالى: "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"؟

 

والبشر ليسوا معصومين، وصحيح أن تاريخنا عظيم، لكنه تاريخ بشر، وأناسي من الناس، لكنهم كانوا "خير أمة أخرجت للناس". والكتاب الغربيون الذين يشككون في واقعية تاريخنا إنما يفعلون ذلك لضحالة قيمهم فيعجبون أن تكون في الدنيا مثل هذه القيم! فهم الذين أبادوا شعوباً ونحن حررنا الشعوب، وامتصوا خيراتها، بينما نحن نشرنا الخير ووزعنا الخير على الكافة وما ظل المال "دولة بين الأغنياء" يتقاذفونه كالكرة وباقي الناس يتفرجون. ورجع هذا الحال على أشرس مما كان فإن 2 في المئة من البشر اليوم يتحكمون في 80 في المئة من ثروات الأرض فمن يعيد "الميزان" إلى الأرض؟ ومن يملؤها عدلاً بعد أن ملئت جوراً؟ ومن يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة؟ ونحن نقرأ سيرة الصديق والفاروق اللذين –بعدْلهما- والتزامهما نهج الإسلام فتحت بلاد الشام، ونقرأ الواقع الذي يقتل الناس بذرائع أوهى من بيت العنكبوت. وشتان بين من يحرر البلاد والعباد ومن يدمر البلاد والعباد والأخيرون لا يتعلمون من التاريخ.

 

والآن نواصل ما توقفنا عنده في الحلقة السابقة من فتوح بين يدي "فتح دمشق" فإلى التفصيل أو شيء منه: خاض خالد قبل اليرموك عدة معارك لا مجال لتفصيلها. وخلاصة تقدير الموقف أن أربعة وعشرين ألف مقاتل مسلم توزعوا على أربعة معسكرات أحاطت بالشام من شرقيه ومن جنوبه في حين انقض خالد في تسعة آلاف كالعقاب الكاسر أو كزوبعة خرجت من الصحراء لينضم إلى إخوانه ويقودهم. وكانت للروم حاميات تكاد تكون في كل مدينة رئيسية. وحين نزل عمرو في "غمر العربات" حشد الروم (70000) نزلوا ثنية جلق بأعلى فلسطين (جلق على الراجح دمشق، ويبدو أن شمال فلسطين وجنوب الشام كانت تسمى بلغة اليوم محافظة جلق!).

فتحت جيوش المسلمين مؤاب، ووادي عربة، ومنطقة غزة، وصفيت الحاميات فيها. والآن صار عدد الجيوش المسلمة بجيش خالد 33 ألفاً. ثلاثة آلاف مع عمرو وسبعة مع كل من القادة الثلاثة: يزيد وشرحبيل وأبي عبيدة و9 مع خالد.

 

بدأت عملية فتح  الشام باجتماع الصديق مع مستشاريه في حوالي 30 ربيع الأول سنة 12هـ. وفق 14/ 6/ 633 (وهذا يصل إليه الباحث بعد حسابات ومقارنات ومقاربات ومنهج علمي في الموازنة والترجيح.. لا مجال لتفصيله أيضاً!) (وقد وضع الكاتب تاريخاً لكل تحرك فليرجع إليه من أراد تتبع التفاصيل).

 

فتح بصرى (حوران أو درعا اليوم) تم في 25 من ربيع الأول 13هـ وفق 30/ 5/ 634م. فقد وجد خالد أن القادة لم يفتحوا شيئاً فقال: ما مقامكم؟ انهضوا. فما أمسوا ذلك اليوم حتى فتحوا بصرى. وقد فتحت صلحاً. يقول أحد شهود العيان عن خالد وموقفه من المشركين وإن كانوا أكثر منه ومن جنده: "كنا نظن أن الكثير من المشركين والقليل عند خالد سواء لأنه لا يملأ صدره منهم شيء، ولا يبالي من لقي منهم لجرأته عليهم وشدته ونجدته". ثم كانت أجنادين في 27 جمادى الأول سنة 13هـ وفق 30/ 7/ 634م. لم يكن الروم بلا حراك.. كانوا يحشدون قواتهم ويعينون قادتهم ويسيرون جيوشهم ويجمعون عملاءهم من الأعراب لينضموا إلى جيش احتلالهم بالشام.

نزل أبو عبيدة بباب الجابية على أسوار دمشق، وراح يفعل كما يفعل خالد يشن الغارات على أنحاء الغوطة، وغير الغوطة. إنه الأسلوب المناسب إذا اعتصم العدو بالحصون، وبدا أن الحصار يطول. فصار المقيم في الحصون كأنه محبوس، ومن هو خارجها غير آمن. وجاءت الأخبار "خالداً" أن "وردان" الأمير الرومي على حمص خرج منها في جيش رومي كبير يريد أن يقطع شرحبيل وهو ببصرى عن سائر المسلمين، وجاء خالداً أن جيشاً كبيراً للروم نزل بأجنادين جنوب فلسطين وأن نصارى العرب سارعوا وانضموا إليه، فرأى خالد أن ينحاز كل القادة مع الجيوش إلى أجنادين. وقد كان، واجتمع وردان مع الروم في أجنادين وغيروا خطتهم.

 

ثم يشير الكاتب إلى صعوبة تحديد موقع أجنادين على خرائطنا اليوم لكنه في جنوب فلسطين. ولكنه ينقل عن ياقوت وابن اسحاق أنها بين الرملة وبيت جبرين (بينهما حوالي 50 كم) يقول الأستاذ أحمد عادل: إن أجنادين تقع على التقاء طرق، والروم لم يختاروا أجنادين أرضاً للمعركة وإنما اختاروها موقعاً للتجمع فأراد خالد أن يبادرهم ويصادمهم فيها. ثم تكلم الكاتب عن تفاصيل الجيش: أبو عبيدة على المشاة في القلب، وسعيد بن زيد على الخيل، وسعيد بن عامر على الميسرة، ومعاذ على الميمنة، وخالد يسير خلال الصفوف، لا يستقر في مكان، يحرض على القتال..

 

ثم يقول الكاتب إن تشتيت جيوش المسلمين شتت فكر الروم، ولكن المسلمين كانوا يجتمعون بسرعة حين اللزوم كما حصل في أجنادين. وَقَارَنَ بين تحرك الروم في هذه المعركة وتحرك العرب في حرب حزيران، وأن التحرك كان بلا هدف واضح أو محدد.

ثم كان خالد أول من حمل على قوات الروم، وخطب معاذ فقال مما قال: "يا معشر المسلمين اشروا أنفسكم (بيعوها) لله. فإنكم إن هزمتموهم اليوم كانت لكم هذه البلاد دار الإسلام أبداً مع رضوان الله والثواب العظيم".

 

ومن غرور الروم بدؤوا هم حملتهم على معاذ فلم يتزحزح أحد، ثم على سعيد بن زيد، ثم أمر خالد بالحملة أن تبدأ. فما صمد الروم أمام شدة المسلمين. حتى قال أحد قادة الروم: "ما رأيت في الدنيا يوماً أشد من هذا" (علماً بأن الروم كانوا ضعفي المسلمين وزيادة!) وانتهى خبر الهزيمة إلى هرقل فنُخب قلبه ومُلئ رعباً! وقتل في المعركة من كرام الصحابة إبان بن سعيد بن العاص، وهشام بن العاص أخو عمرو بن العاص (وقيل يوم اليرموك)، وعمرو بن سعيد بن العاص ابن أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الخ.

 

ثم أخبر خالد أبا بكر بالنصر، ثم يحاول الكاتب أن يختار قولاً في جملة آراء مختلفة، فيرى أن المسلمين بعد أجنادين ساروا إلى دمشق، وساروا منها إلى فحل ثم عادوا إلى دمشق مرة أخرى. ثم يخالف فيليب حتي في بعض رواياته، ويرى أن معركة مرج الصفر (بضواحي دمشق على بعد 38 كم منها) وقعت بعد عشرين يوماً من أجنادين.

 

أبقى المسلمون على حصار دمشق عمرو بن العاص مع عدد قليل، وتفرغ الباقي لملاقاة حشد الروم في مرج الصفر.

وقد قال خالد بن سعيد في مرج الصفر وقد استشهد في هذا اليوم:

مَن فارسٌ كرِه الطعان يعيرني    رمْحاً إذا نزلوا بمرج الصفّر

وهزم الروم شر هزيمة وعاد الروم إلى حصار دمشق. وحمّ الصديق ثم مات ثم ولي عمر وكانت مراسلات مع الجبهة تستحق القراءة فليرجع إليها.

 

ثم ذكر الكاتب عزل خالد والخلاف بين المؤرخين في تاريخ العزل. ويرجح ابن إسحاق أنه في حصار دمشق ويرى الكاتب ذلك (ولكنه الحصار الذي لم يتم فتح دمشق فيه، لأن فتح دمشق كان سنة 14 هـ، ووفاة الصديق سنة 13هـ)

 

ثم كانت معركة "فحل بيسان" -كما يسميها المؤرخون- ويسميها الروم: (بلّا) قادها خالد في خمسة آلاف وكان الروم أكثر من (20000) ساروا من بعلبك. ثم جاءهم مدد من الروم والعرب المتنصرة فبلغوا (80000) ألفاً. وكانت القيادة لأبي عبيدة. وقد فتح الروم مياه نهر الجالود فأوحلت الأرض. فشن المسلمون غارات سريعة على القرى، فصالح أهل الأردن المسلمين. وجرت مراسلات بين الروم وأبي عبيدة ألخص منها قول الروم: "اخرج أنت ومن معك من بلادنا". ورد أبو عبيدة: "لستم لها بأهل، وقد نزعها الله من أيديكم وصيرها إلينا. وإنما البلاد بلاد الله والعباد عباد الله".

 

ثم مفاوضات مع معاذ تستحق القراءة فراجعوها. ما أشبهها بمفاوضات رِبعي. (لا رَبعي الذين قال عنهم رابين: كنت أفاوض نفسي!)

ثم مراسلات مع عمر، وبعد مفاوضات طويلة ابتدأت المعارك، ابتدأها خالد بالفرسان ومعه قيس بن هبيرة (أحد القادة المفضلين لدى خالد!) فاكتسحوا الروم. ويقرر الكاتب أن خالداً كان عملاقاً في الإستراتيجية والتكتيك والقوة العضلية واللياقة القتالية والكفاءة الإدارية والقيادية. مع بصيرة لماحة في علم النفس العسكري.

 

المهم أن قائد الروم (سقلار) ظن أن يفاجئ المسلمين وهم نيام، وما علم أن أبا عبيدة قد بيتهم على تعبئة.

جعل الروم أنفسهم بين نهر الأردن ونهر جالود. واليوم كان من أيام كانون الثاني، بارد زمهرير. خرج الروم بالخيل والمشاة جميعاً. كل فارس بين راجلين أحدهما يرمي بالنشاب والآخر يحمل رمحاً. أراد خالد أن ينفرد بالمشاة. فاستدرج الفرسان بعيداً عن مشاتهم. فشد على الفرسان فهزمهم ثم انعطف على المشاة، وقد تكسرت في يد قيس يومئذ ثلاثة أسياف وبضعة عشر رمحاً.

 

حمل خالد على الميمنة وقيس على الميسرة ومعاذ وسعيد على قلب العدو. وقد قتل قائد الروم سقلار وظفر المسلمون، وبلغ قتلى الروم زهاء عشرة آلاف.. وانهزم بقيتهم إلى ملك الروم بأنطاكية. واستشهد من كبار قادة المسلمين عمرو بن سعيد بن العاص، جرد له الروم فريقاً، لما رأوا من شدته في القتال. وانطلق الشعر بعد المعركة فقال القعقاع بن عمرو، وقال غيره، ومن أراد الشعر فليرجع إليه، فهو يستحق.

 

كانت فحل موقعة مهمة، فاصلة، عزا الكاتب فيها أسباب نصر المسلمين إلى العوامل المعروفة بالطبع وإلى: كفاءة فرسان المسلمين وسرعة الحصان العربي وتضميره للقتال.

 

وثانياً: بنى الروم خطتهم على غفلة المسلمين والمفاجأة.

والثالث: أن (سكلاريوس) جعل ظهره إلى الوحل الذي أحدثه هو بفتح نهر جالود. ففوجئ عندما دارت عليه الدوائر أن هذا الوحل تحوّلَ وبالاً عليه. ثم بصيرة خالد بالطبع. وأخبر أبو عبيدة عمر بالنصر. ونقف عند فتح دمشق.. في الحلقة التالية..