لا يحزنني ما تقوم به شرذمة المقاطعة من أفعال مشينة تتنافى مع أي دين أو خلق أو وطنية لأن حكمة الله عز وجل تقول:' وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ومايمكرون إلا بأنفسهم ومايشعرون' والأنبياء خير خلق الله ابتلوا بهؤلاء المجرمين:'وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين' ونحن إذ نتلمس طريق لأنبياء ونسعى للاقتداء بهداهم لا بد أن يصيبنا شيئ مما أصابهم على يد ورثة قوم نوح وقوم لوط وعاد وثمود،وأحفاد فرعون وأبي جهل وابن أبي سلول. لكن ما يضيق به صدري هو فئة من الجهلاء العامة ضلوا طريقهم ويحسبون أنهم مهتدون فهم يدافعون عن أفعال موغلة في نتنها ويهبون أنفسهم للمحاماة عن الشيطان ويبررون ما لا يحتمل التبرير.
فاقتحام مساجد الضفة وإحراق مراكز تحفيظ القرآن الكريم وإغلاق جمعيات مساعدة الأيتام والفقراء من وجهة نظرهم رد مشروع على تخليص غزة من أوكار الدعارة والعمالة ،وحرمان عشرت آلاف الموظفين من رواتبهم لمجرد شبهة الانتماء السياسي حق معلوم لفياض –أليست الأموال ملكاً له ولأبيه؟- أما المجرمون الهالكون فالتغني بذكرهم عند هؤلاء سنة واجبة الاتباع في الأفراح والأتراح وبمناسبة وغير مناسبة،ومن بقي في قلبه فائض من محبة تجاههم بعد ذلك فهناك متسع للتعبير عنه في تعليق صورهم ونقش أسمائهم على الجدران وفي نغمات الجوال أيضاً،وأما تفجير الحاويات والسيارات في غزة فهي أعمال بطولية لا يضاهيها في الشجاعة سوى إنقاذ المغتصبين الصهاينة من قبضة المقاومة في جنين ورام الله وأريحا.
ولئن سألتهم عن إصرار عباس على عدم محاورة حماس ليقولُنَّ إنها خانته في غزة ويجب أن تتراجع عن انقلابها وتعتذر للشعب الفلسطيني قبل أي حوار معها،فإن رددت عليهم بأن الصهاينة احتلوا أرضنا وقتَّلوا وأسروا وهجَّروا ولا زالوا يفعلون ومع ذلك فإن عباس يعانق أولمرت ويقبله ويتبسم في وجهه كأنه ولي حميم دون أن يشترط لهذا العناق أو التقبيل اعتذاراً صهيونياً أو وقفاً وإن كان مؤقتاً لعدوانه فلن تعجزهم ملكتهم في الجدال عن تفسير ذلك بالحنكة السياسية والمناورة الذكية(ألا ساء ما يحكمون).
إن الدفاع عن الخطأ مرحلة متقدمة على الخطأ ذاته،وتبرير الانحطاط هو أكبر انحطاط لأنه إضفاء للشرعية عليه ،وهو سير على منهاج قوم لوط الذين قالوا:'أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون 'فعدوا التطهر جريمة تستحق الإخراج من القرية،وكتبة التقارير في غزة جعلوا رعاية الأطباء لمرضاهم تهمةً تستوجب قطع الراتب لأنها مخالفة لشرعية المقاطعة التي قضت بترك المرضى إذا دقت الساعة الحادية عشر صباحاً حتى وإن اختنق الجنين في رحم أمه ومات ،وحتى إن ظل المشرط في جسد المريض ولم تنته العملية الجراحية -هذا حصل فعلاً في مستشفيات غزة وليس حديثاً يفترى.
ولم يحدث أن رأينا أحد هذه التقارير تتضمن اتهاماً بالتعاون مع الاحتلال أو بالفساد الأخلاقي أو بإهمال العمل فهذه لم تعد تهماً في العصر العباسي الجديد ،إنما التهمة في الالتزام بالعمل أو الحضور يوم السبت أو الانتماء لفصيل مجاهد كان له مع الاحتلال صولات وجولات.
لقد حذر الإسلام من الدفاع عن الخطأ ومحاولة تبريره وقريب من هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:' كل أمتي معافى إلا المجاهرين' فالإنسان قد يضعف أمام نفسه فيذنب،لذلك فتح الإسلام له باب التوبة،أما المجاهر فلا يكتفي باقتراف الذنب ولكنه يتباهى به ويبرره ويعمل على إشاعته بين المؤمنين فحُقَّ عليه ألا يشمله العفو الإلهي. فليحذر الذين يخالفون عن أمره،وليكفوا عن الجهر بالسوء من القول والدفاع عن الظلم والظالمين أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم.