لا يشكُّ أحد في أن المجلس العسكري يبذل أقصَى الجهد لكي تَعْبُر مصر إلى برِّ الأمان، وأن يكون لديها نظام ديمقراطي، ويسجِّل له التاريخ هذا الدور العظيم.
من ناحيةٍ أخرَى فإنَّ أعضاء المجلس العسكري هم من أبناء الشعب يُدْرِكون مثله أنَّ الثورة قامت للتخلُّص من نظامٍ فاسدٍ؛ قتَل مصر والمصريين وأذَلَّهم، وحاول قمع ثورتهم، ثُمّ يحاول مرة أخرى الانقضاض عليهم، وأنَّ لهذه الثورة مطالب أجمع الناس عليها بعضها يتعلّق بتهيئة مصر للتطوُّر السياسي الجديد، وبعضها الآخر يتعلّق بالإسراع في تحسين أحوال المصريين. ولكني أقول بأمانةٍ: إنَّ نصف العام قد انقضَى ولم يشعر الناس بأي إنجاز يُذْكَر، رغم أنَّ حكومات شرف تعمل 24 ساعة، فلا يزال المجتمع على حاله من فقره وأحيانًا قهره وتردِّي أحوال فئات جديدة منه، بسبب توقُّف بعض مناشط الحياة كالسياحة وغيرها، ولا يزال المجلس يتصرَّف من طرفٍ واحدٍ ولا يتجاوب مع الشعب، ولا أدرِي لماذا يترك المجلس المظاهرات والاعتصامات دون أن يضع أمامَه جدول مطالبهم، وأن يقوم بمساعدة مصر على العبور؟!
جميل أن نتحدث عن ترتيبات الانتخابات وقوانين ممارسة الحقوق السياسية، وجميل أن يشعر الناس بالحرّية، لكن الأهم من الحرية هو أن يكون لديهم أمل. إذا كان المجلس يعتقد أنَّ عليه أن يسلِّم الأمانة بعد المرحلة الانتقالية لحكومة مُنْتَخَبة فهذه بعض مهامه، ولكن مهمته الأكبر التي سوف يسجِّل التاريخ له فيها صفحةً ناصعةً هي أن يحقِّق إنجازات حاسمة في تنظيف مصر من النظام السابق الذي يَحُول دون تطورها، وذلك بعددٍ من الإجراءات، وكذلك وضع منظومة متكاملة لإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية التي ارتبطت بشدَّة بنظام الأمن القمعي، كلما مرَّ يوم دون تحقيق ذلك اتَّسعت الهوَّة بين الناس وأملهم في بلد مستقرّ له شرطةٌ وطنيةٌ تحفظ أمنه بدل الشرطة التي عصفت بأمْنِه وتربَّصت بِمُقَدّراته، كما يتزايد ضحايا ذيول هذه المرحلة من رجال الشرطة الذين يتعرّضون يوميًا للاعتداء. لقد حذّرنا مئات المرات خلال عهد النظام البائِد أنَّ قسوة الشرطة على البسطاء سوف تؤدِّي إلى انفجار يُطِيح بِهَيْبة الشرطة في نفوس المنحرفين، فلا يجد الناس من يَحْمِيهم من خطر البلطجية، خصوصًا وأنَّ النظام اعتمد على البلطجية لنشر السلوك البربري بين الناس.
نريد محاكمات عادلةً وناجِزَةً ومحاكم مُتخصِّصة؛ فالحق أعلى من كل الحسابات والرءوس، كما نريد أن نرَى فارقًا في الحياة اليومية بين ما سبق وما حلَّ بنا، وأن يعود الأمل إلينا. لماذا لا يتواصَل المجلس الأعلى مباشرة مع الشعب أسبوعيًا ليجيب عن مَطَالبه؟ فلا يُعْقَل أن يتصرَّف المجلس وحده والناس من حوله يَخْتلفون ويَتَنَدّرون.
المطلوب أن يُدْرك المجلس الأعلى مضمونَ البيانِ الأول بأنَّه حارس للثورة وأمين على تنفيذ أهدافها، ولذلك فهو ليس بحاجة إلى اعتصامات أو محاولة إنهاء هذه الاعتصامات؛ فقد أصاب الناس الإرهاق وظنوا أنّ مشاكلهم سوف تعرف الطريق إلى الحلِّ، وأن آمالهم سوف تتحقّق.. ويثور السؤال الكبير إذا كان المجلس مدركًا لهذه الحقائق، فلماذا يكون هذا الفرق الهائل بين المطلوب والمتحقّق، وهل يدرك المجلس أنّ الوقت حاسم وأنّ مصر أمانة وأن المجتمع يريد أن يتقدَّم إلى الأمام باطمئنان بعد زوال جثة النظام السابق التي تزكم الأنوف وتعترض الطريق.
لعلَّ مأساة ما حدث في العباسية تدفع المجلس إلى الإسراع بإعلان برنامج التطهير، وأن يشعر الشعب أن مصر قد تحرّرت إرادتها، وتلك فرصة تاريخية لا تضيع من يد المجلس لأي سببٍ؛ لأنَّ الله الذي شاء إزاحة مبارك.. نريد أن يُتِمَّ فضله على مصر وعلينا.. فليَكُن المجلس في مَعِيَّة الله في هذه الظروف الحرجة.