يتسابق الناس خلف وسائل الإعلام في أوقات الأزمات والحروب والكوارث، لمعرفة آخر الأخبار بأدق تفاصيلها مطالبين بالمزيد والمزيد في كل دقيقة، لا يشبعون عند سخونة الأحداث ويريدون صوراً جديدة وتفاصيل أكثر وتقارير أوسع، يتنقلون من قناة إلى أخرى ومن وكالة إلى وكالة في سباق محموم مع الزمن ليشبعوا نهمهم بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، بل رسالة قصيرة تأتي من أقاصي العالم بآخر الأخبار وأحدثها عبر هواتفهم النقالة.
في أغلب الأحيان لا يعرف المشاهدون كيف تأتيهم الصورة؟، ولا يدركون عظم الجهود المبذولة من الطواقم البشرية وهي تعمل على مدار الساعة من أجل أن يكون المشاهد والقارئ في صورة الحدث وكأنه يعايشه، والأهم من كل ذلك حجم التضحية المقدمة من المصورين والمراسلين الذين قد يدفعون من دمهم وأرواحهم ثمناً لنقل الصورة والحقيقة.
وما أكثر الفلسطينيين الذين دفعوا ضريبة مهنة المتاعب، فقضوا شهداء أو أصيبوا بعاهات مستديمة ألزمتهم الفراش وقضت على أحلامهم وحرمتهم مواصلة عملهم والاستمتاع بحياتهم، ولعلنا نستذكر في هذا المقام ثلة من شهداء وجرحى الحركة الإعلامية في فلسطين كالشهيد الصحفي فضل شناعة والشهيد الصحفي حمزة شاهين، والشهيد الصحفي عمر السيلاوي والشهيد الصحفي إيهاب الوحيدي والشهيد الصحفي باسل فرج، والشهيد الصحفي علاء مرتجي والشهيد الصحفي حسن شقورة وغيرهم الكثير، ولا يقتصر الأمر على ذلك فكم من الإعلاميين أصيبوا إصابات حرجة كانت سبباً لشل حياتهم وجعلتهم أسرى كراسٍ متحركة كمصور فضائية الأقصى عماد غانم، وليس انتهاء بالصحفي محمد عثمان الذي شلت حركته رصاصة غادرة خلال تغطيته لأحداث مسيرات العودة قبل أشهر.
محمد عثمان ظهر قبل يومين في تقرير بثته قناة (إم بي سي) وهو يبكي بكاءً مريراً يقطع القلوب، ليس بكاء الضعف والعجز وليس بكاء الاعتراض على قدر الله فهو المؤمن الصابر المحتسب، بل بكاء على حياته التي توقفت ومستقبله المجهول الذي لا يعرف ماذا سيحمل له دون أن يفقد الأمل في قدرة الله على استرجاع حركته وإنهاء هذا الكابوس.
محمد عثمان أنموذج يجسد حالة من اللامبالاة والإهمال التي يعيشها الصحفيون الفلسطينيون في ظل المناكفات وغياب واضح لجسمٍ نقابي يطالب بحقوقهم ويوفر لهم متطلبات الحماية والرعاية في حال أصيب أحدهم خلال عمله أو تعرض لأي مكروه أو أذى، ولعل البطء في الإجراءات التي تلت إصابة محمد حتى يغادر الوطن ويعالج في الخارج كانت سبباً في تفاقم إصابته، فقد كان من الممكن تدارك الأمر وتخفيف وطأة الإصابة، لو كان هناك من يرعى مصالح الإعلاميين ويهتم بهم ويتابع همومهم.
يكتفي المشاهدون بالصور التي تصلهم ويشبعون رغبتهم منها متناسين الجنود المجهولة العاملة وسط حقول الموت، وعند إصابة أحد الصحفيين يصبح خبراً عاجلاً يليه بيان شجب واستنكار فمطالبة بحماية حقوقهم ثم تكريم لهم وينتهي الأمر، وتبقى المعاناة ملازمة للعائلة والوجع لا يفارق الصحفي يتوجع قهراً ويزداد ألماً وحسرةً كما محمد.
دموع محمد وحديثه الشجي رسالة إلى كل مسئول في مؤسسات حقوق الإنسان ونقابات الصحفيين في فلسطين والخارج لنصرة الإعلاميين وحمايتهم وتقديم كل ما يلزمهم من أجل حياة كريمة تحفظ حقوقهم وأرواحهم، ورسالة لنا لنفعل ما بوسعنا من إمكانات لإعادة الحياة لقدمي محمد، ونجنّد الطاقات والجهود ونبذل ما نستطيع حتى يعالج في ألمانيا، فقد يكون الشفاء بإذن الله هناك... وليس ذلك على الله بعزيز.