(قطعت جهيزة قول كل خطيب) قول قاله العرب منذ قرون من الزمن مازال حياً؛ لأن فيه ما يمكن أن نوجز كثيراً من الكلام، وفيه ما يقطع الطريق على المخمنين والمحللين والمتحذلقين في الكلام، وهو لا يحتاج إلى تفسير أو اجتهاد، قول واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
هذا الذي تحدثنا به جاء تعقيباً على ما صدر من تصريحات على لسان عزام الأحمد رئيس وفد فتح وحامل ملف المصالحة مع حركة حماس، والتي أكد فيها على أن إصرار السيد محمود عباس على سلام فياض رئيساً للحكومة الانتقالية هو من أفسد تطبيق اتفاق المصالحة.
هذا القول الذي صدر على لسان الأحمد على موقع "الهدف" الإلكتروني نفته فتح ونفته السلطة ونفاه عباس، وكل ذلك لا يجدي نفعاً، لأن الكلمة عندما تخرج هي كالطلق الناري يسمع له صوت ويرى له أثر ولا يمكن أن يرد مرة أخرى إلى مخزن البارود ولا مجال لرده، ومحاولات النفي تأتي في سياق التأكيد حتى لو كان النفي على لسان الأحمد نفسه؛ لأنه مؤكد قبل أن يؤكده الأحمد، وجاء تأكيد الأحمد كي يضع النقاط على الحروف، رغم أن هذا التصريح ربما يودي بمستقبل الأحمد في حركة فتح، أو يجعل عباس يسحب منه الملف ويلقي به على قارعة الطريق.
نعم قول الأحمد حقيقة ليست بحاجة إلى ما يؤكدها كون الواقع هو المؤكد لها، حيث إن المصالحة اصطدمت فعلاً بهذا الإصرار من قبل عباس على مخالفة الاتفاق من خلال تمسكه بفياض؛ لأن فياض ليس محل إجماع فلسطيني، أقوال الأحمد هنا أسوقها ليس لمن هم على يقين بأن عباس من يعطل المصالحة، إنما إلى أولئك الذين يحاولون المواراة خلف الكلمات والمواقف ويرفضون توجيه أصابع الاتهام والنقد إلى المتهم الحقيقي في تعطيل المصالحة، ويحاولون الالتفاف على الحقيقة وتوجيه اللوم إلى حماس كما يوجهون اللوم إلى فتح، ظانين أنهم بذلك يحافظون على مصالحهم حتى لو كانت على حساب مصلحة الوطن.
كلام الأحمد حول تحميل المسئولية عن التعطيل لموقف عباس يجب أن يعيه أيضا الطرف العربي، وعلى رأس ذلك الحكومة المصرية التي رعت الاتفاق ولم يلتزم به عباس؛ لأنه يعتقد أن هذه الحكومة ضعيفة ولن يكون لها تأثير عليه، ويثبت صحة ذلك لجوءه للحكومة التركية لعلها تقوم بالدور الذي قام به نظام مبارك المخلوع.
لا أريد أن أزيد كثيراً في الكلام عن مغزى تصريحات الأحمد المنفية من قبل حركة فتح، ولكن هذه التصريحات تحمل في طياتها أمورا كثيرة لعل أهمها أن هناك خلافاً حاداً في حركة فتح حول إصرار عباس على فياض، ظهر بشكل جلي للعلن رغم محاولة حركة فتح أن تطمسه من خلال قول بعض قادتها إن هناك إجماعاً على سلام فياض، والحقيقة ما كشفها الأحمد في تصريحاته والتي تؤكد على عمق الخلاف بين عباس وحركته التي يترأسها، وهذا يعطي مؤشرات أن الرجل متفرد حتى في قرارات حركة فتح.
أرجو أن تكون تصريحات الأحمد ناقوس الخطر الذي يجب أن يقرع على أذن محمود عباس يقول فيه إن المصلحة الوطنية الفلسطينية في خطر، فإذا هذه لا تعيرها يا أبا مازن اهتماماً فإن حركة فتح أيضا في خطر، قد يكون هذا القرع في الأذن وسيلة لإعادة النظر من قبل عباس في مواقفه ويدفعه إلى التفكير ملياًَ بالتخلي عن فكرة طرح فياض والإصرار عليه، ولكنني على الصعيد الشخصي أرى أنه لن يؤثر هذا القرع في عباس؛ لأنه يصلح فيه قول الشاعر ( ... لا حياة لمن تنادي ).