تركيا علمانية . تركيا دولة علمانية ، هكذا يعرفونها!! فماذا عن المجتمع التركي؟ الإجابة عن المجتمع تحتاج إلى بحث وفحص . وصف المجتمع وتشخيصه على وجه الإطلاق على قاعدة العلمانية كدولة مسألة فيها نظر . وحتى وصف الدولة نفسها فيها نظر رغم تغلغل مظاهر العلمانية في الدستور والقانون ومظاهر النظام والحياة.
ثمة وجه آخر لتركيا على مستوى المجتمع . الوجه الآخر هو الإسلامية الموروثة ، أو الإسلامية الحديثة . الإسلامية التركية ليست كالإسلامية في غزة ، فثمة حداثة في التركية ، وسلفية في الغزية . الاختلاف يرتبط بالواقع ، وفي الموروث ، ويتأثر بالجغرافيا ، رغم أن جغرافيا المنطقة كلها عاشت في ظل خلافة عثمانية واحدة.
لست بصدد الحديث عن الدولة ، فهذا يحتاج إلى مقال منفرد ، ولكنني أرغب في الحديث عن مجتمع تركيا الحديث، حيث لا دقة في وصفه بالعلمانية على وجه العموم والإطلاق؛ لأن مظاهر الإسلامية تجذبك إليها لا في المساجد ودروس العلم وتحفيظ القرآن والمعاملات فحسب ، وإنما هي ممتدة بأشكال مختلفة في الأسواق والشارع ، والبيوت ، والمتنزهات ، ففي شارع محمد الفاتح مثلاً تجد السافرة المتبرجة ، والمحجبة والمحتشمة . موظفة تعمل في محل تجاري لبدل العرائس تقف أمام باب المحل وتلبس بدلة الزفاف ، وتوزع على المارة إعلانات تسويق . وبجوارها وعلى بعد أمتار محجبة تسوق الحجاب لحساب محلها الذي تعمل فيه.
أمر تركيا (المجتمع) عجيب ، فيه إسلامية وعلمانية ليبرالية ، وعلاقة مسكونة بالتعايش ، أو التسامح ، التبرج حاضر بقوة والحشمة حاضرة بقوة أيضًا ، وما يلفت النظر في هذا الحضور المتقابل هو حضور (المرأة-والموضة) ، إذ تكاد تغزو الموضة طرفي المعادلة الاجتماعية . أكثر القنوات التركية الفضائية انتشارًا ومشاهدة هي قنوات (الموضة) ، هي ملك لقادة وأثرياء الليبرالية . هل ثمة معركة صامتة بين الليبرالية العلمانية والإسلامية من خلال (الموضة) ؟!
الإجابة تحتاج إلى بحثين: الأول في المرأة والآخر في (الموضة) . وفي جميع الأحوال فنحن أمام مجتمع مختلط ، وبشكل تقابلي ، بين إسلامية موروثة تحاول أن تنفض الركام وتستعيد دورًا متقدمًا ، وبين ليبرالية علمانية رسّخت أقدامها في الحكم وفي المجتمع في ظل الجمهورية التركية.
لست أدري هل أنا على صواب حين أصف المجتمع بأنه يجمع بين الإسلامية والعلمانية في حالة تعايش لا حالة صراع ، وأن مظاهر المغالبة الهادئة من خلال التعايش خالية من حرارة الأيديولوجية الموترة للأعصاب والمثيرة للانفعالات . المجتمع التركي عاش حضارتين وتأثر بهما أيما تأثر ، وقد ارتبط تأثره بشكل أو آخر بالدولة ونظام الحكم ، وأحسب أن تركيا في طريقها إلى التخلص التدريجي من التبعية للحضارة الغربية في صفاتها الليبرالية والعلمانية، وأول المعالجات تكمن في ملف (المرأة-والموضة).