بعيداً عن هموم السياسة المعجونة بالدم والرصاص هذه الأيام، أر يد أن أبتعد قليلاً إلى موضوع سوسيولوجي فلسفي يريحني ويريحكم قليلاً من الغم السياسي الثقيل، فقد وصلتني رسالة الكترونية طريفة تطلب مني أن أقرأ الجمل التالية بسرعة لإثبات نظرية جميلة. وأنا بدوري أحيل الأمر إليكم وأطلب منكم قراءة تلك الجمل سريعاً.
عصفور في
في اليد.
مرة في
في العمر.
باريس في
في الربيع.
بالتأكيد أنكم لم تلاحظوا أن كلمة (في) مكتوبة مرتين في كل جملة. أليس كذلك؟ هل تعرفون ماذا حدث؟ إنه طبقاً لخبراتكم السابقة، كما يؤكد أصحاب هذه النظرية، فقد تمت برمجة عقولكم أن كلمة (في) لا تـُكتب سوى مرة واحدة في الجملة، لذلك لم يرها عقلكم، وبالتالي جعلكم ترون الجملة (في ضوء تجاربكم السابقة) لا كما يجب أن تروها! ماذا يعني هذا الكلام؟ القصد من هذه الأمثلة هو التوضيح أننا نرى العالم طبقاً لبرمجتنا السابقة فقط، لا كما يجب أن نراه. بعبارة أخرى، نحن لا نرى الحقيقة إلاّ من خلال تجاربنا نحن. وحين نختلف مع شخص ما في الرأي، يتمسّك كلّ منا برأيه الذي كوَّنته خبراته وتجاربه السابقة، لهذا ليس كل ما تراه هو بالضرورة صحيحاً، لأن ما تراه هو ما تمَّت برمجة عقلك عليه. ألم تُخطئ قبل قليل في قراءة حرف (في) الزائد، يتساءل أصحاب هذه الخدعة؟ أعد التفكير في كل ما تراه صحيحاً بالنسبة لك. اقبل النقاش، وأعد النظر في أفكار من يختلفون معك. إنهم -فقط- لم تكن لهم تجاربك السابقة التي تؤهلهم كي يفكروا مثلما تفكر. لماذا لا تتقبل فكرة أنهم ربما يكونون على شيء من الصواب؟ حاول أن تتفهم وجهة نظر الآخرين، ولا تتمسك برأيك دائماً لمجرَّد أنه رأيك. أعد النظر في برمجتك السابقة، ولا تفترض دائماً أن كل ما تراه صواب.
وكي يؤكد أصحاب هذه الفكرة نظريتهم التي تبدو منطقية جداً، يروون قصة الفيل والعميان الثلاثة التي ربما سمع البعض بها، إذ يُحكى أن ثلاثةً من العُميان دخلوا إلى غرفة بها فيل، وطـُـلِـبَ منهم أن يكتشفوا ما هو الفيل ليبدؤوا في وصفه. بدؤوا في تحسُّس الفيل، وخرج كل منهم ليبدأ في الوصف: قال الأول: الفيل هو أربعة عمدان على الأرض! وقال الثاني: الفيل يشبه الثعبان تماما! وقال الثالث: الفيل يشبه المكنسة! وحين وجدوا أنهم مختلفون بدؤوا في الشجار. وتمسّك كل منهم برأيه، وراحوا يتجادلون، ويتهم كل منهم الآخر بأنه كاذب و مُدَّعٍ! بالتأكيد أنك لاحظت أن الأول أمسك بأرجل الفيل، والثاني بخرطومه، والثالث بذيله.
بعبارة أخرى، فإن آراءنا وتجاربنا مبنية بالدرجة الأولى على ما أدركناه سابقاً. ولو تخيلنا أن إنساناً أوتي من الذكاء ما لم يؤت أحد العالمين، وكان كفيف البصر، فهل يستطيع أن يعرف اللون الأحمر، وما الفرق بينه وبين اللون الأخضر؟ طبعاً لا، لأنه لم ير اللونين من قبل. وهذا الذي خـُلق أصم، هل يعرف إذا كان صوت البلبل أعذب من صوت الغراب؟ بالطبع لا، لأنه لم يسمع صوت البلبل أو الغراب سابقاً.
كل منا إذن، كالعميان الثلاثة، يعتمد على برمجته وتجاربه السابقة. لكن، هل التفتّ إلى تجارب الآخرين؟ من منهم على خطأ؟ في القصة السابقة، هل كان أحدهم يكذب؟ بالتأكيد لا. أليس كذلك؟ فحين نختلف لا يعني هذا أن أحدنا على خطأ. قد نكون جميعاً على صواب، لكن كل منا يرى مالا يراه الآخر.
وبالتالي يريد منا أصحاب هذه النظرية مني ومنك أن لا تعتمد على نظرتك وحدك للأمور، فلا بد من أن تستفيد من آراء الناس، لأن كل منهم يرى ما لا تراه. ورأيهم قد يكون صحيحاً أو قد يكون مفيداً لك.
باختصار شديد، أستطيع أن أضيف إلى أصحاب تلك الفكرة الطريفة أعلاه أن العقل محكوم بالذاكرة وبالتجربة، وردود الأفعال مبنية على ما يختزنه عقلنا وذاكرتنا من تجارب ومن معلومات، فالكائن الحي، إنساناً كان أم حيواناً، لا يستطيع أن يتصرف من خارج ذاكرته. أما التفكير فهو بناء نماذج مما هو متوفر في دماغنا من معلومات ونماذج، ومن ثم هدمها لنتوصل أثناء الهدم والبناء عن طريق الصدفة إلى نماذج جديدة، وهي ما نسميه اختراعات. وبالنسبة لقضية الاختلاف مع الآخر فالكلام المذكور في هذه التجربة سليم جداً، ولكنني سوف أضيف عليه شيئاً بسيطاً، وهو أنه عندما يكون لكل منا تجربته الخاصة به ورأيه المختلف عن رأيي، ولأنه مبني على أساس تجربة مختلفة عن تجربتي، ففي هذه الحالة الحكم يكون هو التجربة الإنسانية، وتجربة المجتمع، أو مجموع الأشخاص، وما نتج عنها من نتائج وحكم.