صيحة أطلقها منذ ست وسبعين سنة بلبل دمشق وغريد سوريا وعالمها وكاتبها ولسانها وشيخها: الشيخ علي الطنطاوي، فقد كتب تحت عنوان: إلى دمشق بلدي الحبيب، يقول: "متى يعود بلدي كما برأه الله دار السلام، ومعرض الجمال، ومثابة المجد والغنى والجلال؟ متى يرجع بردى يصفق بالرحيق السلسل؟ متى تثوب الأطيار المروعة إلى أعشاشها التي هجرتها؟ (لم يدر الشيخ أنه سيكون أحد الطيور المهاجرة، ولم يدر أن سيفوق عدد مهجري سوريا في الثمانينيات سيفوق المليون، وأن عشرين ألفاً من جسر الشغور وقرى حمص سيهجرون قراهم تحت القصف وهدير دبابات جيشهم الذي مولوه من دم قلبهم. إنها الموافقات العجيبة!)
متى تثوب الأطيار إلى أعشاشها التي هجرتها، ورغبت عنها حين سمعت المدافع ترميها بشواظها؟ متى تؤوب تلك الحمائم فتشدو في أفنان الغوطة تنشد أغنية السلام؟ متى يستريح الشام بلدي الحبيب؟ ما رأيتك استرحت يا بلدي الحبيب ساعة واحدة، فهل كتب عليك أن تظل أبداً في تعب وعناء؟
إني لم أكد أتبين نور الحياة وأبصر وجه الدنيا، حتى رأيت المدرس يدخل علينا معشر الأطفال مربد الوجه.. قال: إنها الحرب. (يقصد الحرب العالمية الأولى كما لا يخفى!) ولقد رأيناها في أسواق دمشق، وإن لم نر القتال. رأيناها عندما رأينا القتال يدور كل صباح من أجل رغيف من الخبز.. والفرن مغلق، وما فيه إلا كوة واحدة مفتوحة يقوم عليها الخباز والجندي إلى جانبه يدعو واحداً بعد واحد من الناس الذين سدوا الشارع بكثرتهم.
وما شحت السماء بالقطر ولا أجدبت الأرض ولكن حلفاءنا الألمان استأثروا بأطايب القمح وتركوا لنا شر الحنطة والشعير وليتنا وجدناه.
رأينا الحرب حين رأينا الرجال في شوارع دمشق يأكلون قشور البطيخ وينبشون المزابل من الجوع. ثم لم نعد نبصر في الشام رجالاً. لقد أكلتهم الحرب. ثم رأيناها أشد ظهوراً بطلعتها الكالحة القبيحة، حين تعودنا مرأى جثث النساء والأطفال الذين ماتوا من الجوع، نراها في غدونا إلى المدرسة ورواحنا.. عرفت الحياة في بلدي الحبيب نصفه مقبرة للأموات ونصفه مستشفى لمن ينتظر الموت.
ثم ما لبثنا أن سمعنا النذير (بعد ما هزم الألمان) فقالوا: انهضوا دافعوا عن استقلالكم الوليد، لقد جاءت القوة العاتية تخنقه في مهده (يقصد غزو فرنسا لسوريا بعد اتفاقية سايكس-بيكو وقيام هذه الدول بتنفيذ ما اتفقت عليه. واتفاقيتنا نحن مع بريطانيا ذهبت أدراج الرياح أو في مكان آخر!). وعصفت النخوة في رؤوس بنيها، فلم تمض العشية وينبثق الفجر حتى كانت دمشق كلها في بقعة الشرف في ميسلون، ولم يؤذن الظهر حتى رجعت دمشق من ميسلون، وقد تركت فيها استقلالها الوليد، وقائدها الشاب (يقصد يوسف العظمة)، صريعين مجندلين على وجه الثرى، هذا قتيل شهيد، وذاك جريح مريض، وفقدت دمشق كل شيء، ولكنها لم تفقد الشرف..
وعاد بلدي الحبيب إلى حياة الرعب والأسى والنضال. ولكنه لم يخف ولم يجبن. لقد خسر في ميسلون، ولكنه حفظ الدرس الذي ألقته عليه الحياة في ذلك اليوم. (قد يقال: كيف حفظ الدرس وهذه نكبة 67 لحقت به في سرعة ومض البرق؟ ونجيب عن الشيخ، لا كجوابه ولا بلغته السامية وفكره النفاذ، ولكن بعجزنا وعلى قدنا فنقول: الحياة مدرسة وليست درساً واحداً يكفي لكل شيء. وثانياً: إن الشعب لم يخض حرباً، ولم يخلّ بينه وبين عدوه، بل حيل بينه وبينه، ولو خلي لرأيتم! وثالثاً: رصيد التجربة والخبرة لا يضيع سدى ولكنه يتجمع رشداً وخبرة وحنكة وحكمة، ومواقف. وها إن هذا الرصيد يتجلى اليوم عزيمة وإصراراً ومقاومة ومداومة فلا تذهبن بكم الظنون بعيداً فيما قال الشيخ تظنونه إنشاء لا يطابقه الواقع!) (ونواصل مع الشيخ، وإنما نستخدم كلماته ولغته لأنه لا يلخص التاريخ قلم كقلمه ولا فكر كفكره، ولا يختزله في كبسولات مركزة باقتدار مثل الشيخ علي أعلا الله قدره في الجنان). يقول: "واستراحت دمشق حيناً، ثم قفزت قفزة اللبؤة الغضبى، فإذا هي في العرين، في الغوطة الخضراء، وإذا الأقوياء بجيشهم كله وعتادهم يقفون أمام الثائرين، وهم بضع مئات، يقودهم رجل أمي من دمشق، كان خفيراً من خفراء الأحياء، فلا يستطيع الأقوياء الظفر بهم، فيعودون حنقين، فيسلطون نيران مدافعهم على المدينة الآمنة المطمئنة، (لأنه قد اندس فيها بعض المسلحين المندسين) (ربما بررت فرنسا فعلتها وقتذاك بهذه التبريرات وهذه الذرائع وربما استخدمت اللغة نفسها من مصطلح المندسين والمسلحين.. ما أجبرها كارهة على قصف دمشق لإخراج المسلحين ألا يفعل اليهود اليوم في فلسطين هذا الفعل ويتذرعون بالذرائع إياها؟ فما الجديد في الصورة؟).
نعود إلى الشيخ يوجز وجبة من التاريخ دسمة ومرحلة حاسمة فيقول: "فلا يروعها إلا جهنم قد فتحت أبوابها من فوقها، ويمسي المساء على دمشق وثلثها خرائب كخرائب بابل، وقد كانت في الصباح أجمل وأبهى وأغنى قصور دمشق.. وتعيش دمشق سنتين وسط الرعب والنار والحديد، ثم يحل السلام، وتخرج دمشق من المعركة وقد نجحت في الامتحان الثانوي في الغوطة، كما نجحت من قبل في الامتحان الابتدائي في ميسلون.. وأحسب أنك استرحت يا بلدي الحبيب! أحسب أنك استرحت، وإذا النار تسري في أحشائك. وإذا المعارك في أسواق دمشق.. حول صناديق الانتخاب الذي أراده الأقوياء صورياً شكلياً (يقول الشيخ أعني انتخابات سنة30 وكنت يومئذ رئيس اللجنة العليا لطلاب دمشق، التي تولت هي إبطال ذلك الانتخاب). (أقول: لعبة الديمقراطية هي ذاتها والانتخابات المزورة هي عينها، بمباشرة من المستعمر أو من الوكلاء.. هي هي، لا فرق. ولا ترى ولن ترى منطقتنا انتخابات حقيقية، إلا أن تكون هناك حرية حقيقية واستقلال حقيقي، أما في ظل الاستعمار الباطن والمبطن فلا شيء حقيقي!).
نعود إلى الشيخ: "أراده –أي الانتخاب- الأقوياء صورياً.. وأباه الشعب إلا انتخاباً حقيقياً، فلما لم يكن ما يريد الشعب حطم الصناديق، وهدم قاعات الانتخاب، وانطلق ثائراً مرعداً مبرقاً، يهزأ بالحديد ويفتح صدره للبارود.. وظفر الشعب، وكيف لا يظفر وقد امتحن مرتين..
فقلنا: قد استراح، ولكنه لم يسترح، وإنما دعي إلى الامتحان العالي. (تأمل كيف يصنف الشيخ مراحل النضال إلى مراتب كمراتب الامتحانات: ابتدائي، ثانوي، دراسات عليا، يقصد الترقي في هدف النضال ودرجة الوعي، وديمومة وحرارة المواجهة، ورصيد التجربة المتحصل).
ونواصل: دعي إلى النضال الصامت المرعب، فثبت وناضل، ولبثت دمشق خمسين يوماً كاملة، وهي مضربة، ليس فيها حانوت خباز أو بقال، وليس فيها قهوة مفتوحة، ووقعت المعارك في الأسواق وعلى أبواب الجامع الأموي فأقبل النساء على الرصاص، وهجم الأطفال على الدبابات، وعزمت دمشق على الموت أو الظفر. وعرف العدو أنها لم تفل عزيمتها أبداً، ولن تلين قناتها.. فلانت قناته ودعاها إلى الصلح..
وهتفنا هذه المرة من أعماق القلوب: لقد استراحت بلادنا العزيزة، ولكن الأعراس لم تتم فهذه ألسنة النيران ورجة البركان، فماذا يحمل الغد يا زمان؟ أي مصيبة جديدة يأتينا بها؟ أكتب علينا ألا نستريح ولا نهدأ أبداً؟
ولو قدر للشيخ أن يواصل لتكلم عن الحرب الثانية، وعن نكبة48 بعدها، وعن تجربة الوحدة وفشلها وعن التأميم، وما رافق ذلك من قحط مرت به سوريا، ثم تجربة الانقلابات التي كأنها حبات مسبحة وقد انفرطت، فتتابعت انقلاباً في إثر انقلاب. والشعب يدفع الثمن. إلى أن جاء البعث بشعارات: وحدة. حرية. اشتراكية. فلا رأى الشعب لا حرية ولا وحدة ولا اشتراكية ولا عدالة اجتماعية، ولا سياسة ولا من نوع من الأنواع. وإنما رأى حزباً يستغل من طائفة تستأثر هي بكل المقدرات. ومرت دمشق وسوريا كلها بما يروع الحر ويكلم الفؤاد. واستمرت المعاناة تحت ظل البعث حكماً مباشراً ومن قبله غير مباشر قرابة نصف قرن، فما بعثت إلا الفتن، وما حورب إلا الدين والنهضة والانبعاث الحقيقي، ولقد قاسى الشعب ما قاسى وهم يقاسون ما زالوا تحت سفح قاسيون وفي كل مكان يقاسون قسوة القاسين.. وحقد الحاقدين المعتق الدفين.. (ومضى العهد السابق بدمويته وعنفه وبطشه وجاء جيل شاب قلنا معه: لعل البلد يستريح فكان ما لم يكن في الحسبان من نكال وعذاب وهوان.) فمتى تستريح يا بلدنا الحبيب، مثلما كان الشيخ يهتف من أعماق قلبه المكلوم على بلده الجريح.. متى يا بلدي تستريح؟ ولا جزع.. ولا ضجر ولا استكثار من التضحيات فالحرية غالية والأوطان تفتدى بالمهج. والتحرر من وكلاء المستعمر أصعب من التحرر من المستعمر المباشر نفسه.
وفي كل جمعة للشام كلها ولدمشق درتها ودرعا وحماة وحمص.. لكل قرية وكل ريف وكل مدينة موعد مع التحدي والشهادة والثبات والرجولة، وموعد مع المراوغين المزيفين.. المستحلين الدماء بدعوى الوطن وحريته وكرامته، وأبسط بدهيات حب الوطن حفظ كرامة من يعيشون على أرض الوطن، فما الوطن إلا ناس الوطن وأهل الوطن! فكيف تدمر هؤلاء وتزعم الإبقاء على الوطن. ولأضرب مثلاً يقرب الصورة الكاريكاتورية لهذه المزاعم: شخص بنى بيتاً لأولاده وجمله ورسمه رسماً، ثم زيّنه بحديقة فيها من كل الثمرات، وأجرى النوافير وأثث المكان بأحسن الفرش، ثم قتلهم جميعاً.. هذه صورة مثل هذا النظام. زينة الوطن شبابه. وهؤلاء مطلوبون على كل المحاور. والموت أو السجن والإذلال بانتظارهم ويقعد لهم كل مرصد! فما بقي من الوطن؟
متى يستريح الشام؟ سؤال مفعم برجاء وأمل ودعاء إلى رب الأرض والسماء أن يا رب، هذه الأرض.. أرض الشام أنت الذي باركتها، وجعلتها مهد الأنبياء والنبوات ومهبط الكتب والرسالات، وأرض الدين والدعوات، وجعلتها رباطاً إلى يوم القيامة.. وجعلتها الأقرب إلى قلوب المؤمنين بما وصفتها في كتابك وأثنى عليها رسولك ودعا لها بالبركة والخير، فأرنا في أعدائها يوماً قريباً تقر به عيون المؤمنين، وتنتقم فيها لكل الشهداء والمشردين والمعذبين، وأرنا لأهلها يوماً يستريحون فيه من ظلم القريب والبعيد.. حتى ينتهي السؤال الذي بدأه الشيخ منذ ثمانين سنة قمرية وصاح من أعماق قلبه: متى يستريح الشام.. بلدي الحبيب؟
وأختم مقالي بما ختم الشيخ به مقاله إذ قال: "إننا بنو المجد والحرية والحياة، فلا أمتعنا الله بالحياة إن لم ننتزعها من بين فكي الموت انتزاعاً.. وستحيا أنت يا بلدي الحبيب ماجداً حراً، ولو متنا نحن ماجدين أحراراً".