لا مشكلة في قبول الإخوان بالحوار مع الأمريكان. المشكلة هي في غياب الحوار لعدة عقود. وهذا يطرح سؤالين: الأول لماذا غاب الحوار؟ والثاني لماذا قررت الإدارة الأمريكية الحوار مع الإخوان الآن؟
قرار تغييب الحوار في العلاقة مع الآخر كان قرارًا أمريكيًا، ولم يكن قراراً إخوانيًا، ولقد غيبته الإدارات الأمريكية المتعاقبة لعشرات السنين لسببين على أقل تقدير: الأول يرجع إلى انحياز الإدارات الأمريكية إلى أنظمة الحكم العربية المعادية للإخوان، والمتسلطة على شعوبها. بعبارة أخرى لقد بنت أمريكا استراتيجيتها الخادمة لمصالحها على قاعدة تأييد أنظمة الحكم وتقبّل تغولها على شعوبها. والثاني يرجع إلى الموقف الإخواني الواضح في رفض الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وتحريض الإخوان للمسلمين في العالم على القيام بواجبات التحرير لها.
في ظل الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وسقوط أنظمة الحكم الاستبدادية أو اهتزاز كراسي الحكام في بعضها غيّب السبب الأول لرفض التحاور مع الإخوان. سقطت أنظمة الحكم في مصر وتونس، واستعاد الشعب قراره الوطني، وخرج الإخوان إلى الساحة السياسية بوصفهم الكتلة السياسية الأكبر والأقوى. ومن ثم فإن القرار السياسي في السنوات القادمة في مصر وغيرها سيشارك فيه الإخوان بقوة، ولم يعد بالإمكان لمن يبحث عن مصالحة في مصر أو في البلاد العربية الأخرى أن يتجاوز الإخوان.
لقد قررت إدارة أوباما محاورة الإخوان لأنها تريد أن تحفظ مصالحها في مصر والبلاد العربية الأخرى، ولم تعد مسألة الاعتراف بـ(إسرائيل) كافية لوقف هذا الحوار أو الاستمرار على السياسة القديمة، وهذا ما نفهمه من تصريحات أوباما وهيلاري كلينتون والتي تنصح (إسرائيل) بإنهاء احتلالها، والبحث في سبل التعايش مع جيرانها؛ لأن مستقبل (إسرائيل) مرتبط بإنهاء الاحتلال وبالتعامل مع البلاد العربية.
ثمة من ينظر بتخوف من تقبل الإخوان لمبدأ الحوار مع الإدارة الأمريكية؛ خشية أن يكون القرار الأمريكي هو محاولة استدراج وتدجين للحركة، وفي هذا التخوف خلط بين أمرين: الأول الحوار، والآخر مخرجات الحوار؟! ففي الأول لا لحوار لا مشكلة ولا تخوف.
والحوار من سنن الأنبياء، وسنن الفطرة، ولهذا يجدر التركيز على مخرجات الحوار لا الحوار نفسه والتحذير من فلسفة الغرب المراوغة في الحوارات، فالمواطن العربي ينتظر مخرجات تتناسب مع ثوابت الأمة، وثوابت الخطاب الإسلامي الذي نشره الإخوان في الناس. وهنا ننبه الإخوان قائلين إن الجهة الأحوج إلى الحوار هي أمريكا والغرب، ولا حاجة كبيرة للإخوان في حوار بلا مخرجات تخدم المشروع الوطني والإسلامي، والأمة تنتظر مخرجات متميّزة تتناسب مع تميز الإخوان في إدارة الحوار مع الآخر، وحفظ مصالح الأمة.