شاليط والإنسانية الكاذبة

نشر 03 يوليو 2011 | 11:50

مع مرور خمسة أعوام على أسر الجندي الإسرائيلي شاليط لدي المقاومة الفلسطينية طفت على السطح مجددا مظاهر التعاطف معه في ظل تجاهل تام لمعاناة أسرانا الأبطال خلف قضبان العدو، شاليط نفسه لم يكن يعلم بأنه سيحظي بكل هذا الكم من التعاطف والإنسانية الكاذبة معه حين أسره، إن المشاعر الفياضة وموجة التعاطف الجياشة التي صدرت مؤخرا من العديد من المؤسسات والجهات ما هي إلا مشاعر زائفة ،منحازة بكل تأكيد لصالح الجلاد ضد الضحية.

 

قد يتفهم المرء مواقف المؤسسات الدولية العاملة بحقل حقوق الإنسان والمنحاز لقضايا الاحتلال وأعوانه، لأنها بالأصل أُوجدت لتجميل وجه الاحتلال البغيض ،لكنه من الصعوبة بمكان أن نسمع بمثل تلك المواقف وقد صدرت عن مؤسسات محلية – فلسطينية – يرأسها فلسطينيون ،إن بعضا من المؤسسات الحقوقية المحلية آثرت مصلحة الاحتلال وتساوقت مع فكره حينما ارتضت لنفسها التوقيع علي بيان مشترك مع منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية يطالب بالإفراج عن جلعاد شاليط ،ويندد بما يزعمون أنه "تعامل قاسي وغير إنساني وغير مشروع تمارسه الفصائل الأسرة بحق شاليط".

 

هذا الموقف شكل صدمة شديدة لكل فلسطيني مخلص ولكل وحر بالأرض ينادي بالحرية والديمقراطية ويؤمن بالعدالة الاجتماعية ،لأنه يتناسى عذابات آلاف الأسرى الفلسطينيين ،ويتجاهل ممارسات الاحتلال القمعية بحقهم، ولأن البيان لم يأتي على ذكر سياسة العزل الانفرادي ،ولا المنع من الزيارة ،ولا حتى تكرار التمديد الإداري للأسرى ،وكلها إجراءات  مخالفة لأبسط الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية، واكتفي البيان فقط بالتشدق بضرورة تمتع شاليط بحقه بالزيارة والمعاملة اللائقة، ولا أدري هل لم يسمع مسؤولي المؤسسة - الفلسطينية – بقرار نتنياهو بفرض مزيدا من العقوبات على أسرانا ،أم لم يسمعوا بقرار الإضراب عن الطعام الذي اتخذه الأسرى احتجاجا على تلك العقوبات ،أم أنهم تجاهلوا ذلك كله مقابل وما تعدهم به الجهات الغربية بالخفاء من دعم مالي لمؤسساتهم أو غير ذلك مما لا نعلمه ولم نسمع به حتى اللحظة.

 

ومما يثير السخرية والاشمئزاز الرسالة التي خطها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لشاليط وأعرب فيها عن تضامنه معه وأكد بأن فرنسا التي يحمل جنسيتها لا يمكن أن تنساه وستواصل العمل حتى إطلاق سراحه ،رسالة ساركوزي هذه تعبر عن حرصه وعنايته واهتمامه بالمواطن الفرنسي حتى لو كان مجند قاتل لا يتورع عن البطش بالأبرياء والأطفال كاشاليط.

 

ساركوزى تجاهل معاناة شعبنا وعذابات (7000) أسير فلسطيني ،ولم تصمد في ذاكرته المزدحمة بالليالي الحمراء والذكريات الفاجرة مناظر (60) ألف بيت دمرها الاحتلال بعدوانه الأخير على غزة ،بل لا تحتمل نفسه المراهقة أن يستذكر صور أجساد أطفال فلسطين الذين حرقتهم قذائف الفسفور الأبيض المحرم دولياً، وهو بالطبع لا يذكر (1500) شهيد سقطوا بفعل العدوان المذكور ، وركز فقط على حق أسير واحد بالحرية رغم أسره من دبابته المقاتلة،إنها حقا المشاعر الإنسانية الكاذبة، والمواقف السياسية المنحازة.

 

أخر الموجة العارمة من التعاطف والإنسانية الكاذبة تلك كانت تصريحات مدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف "أيف داكور" وتصريحات الناطق باسم البيت الأبيض ،وكذلك بيان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ،حيث طالبوا جمعيا بمعرفة المزيد عن أوضاع شاليط وتقديم ما يثبت أنه على قيد الحياة ، ونددوا بظروف اعتقاله "غير الإنسانية "على حد زعمهم ،ودعوا لإطلاق سراحه فورا ،كل هذه المواقف والبيانات والرسائل والتصريحات تدعونا للتساؤل هل شاليط إنسان وأسرانا ليسوا كذلك، أم أنه الأسير الوحيد في العالم ،أم أن العالم لم يعد يري سوي بعين واحدة وهي عين المصالح الصهيونية ،عين السهر علي راحة الاحتلال.

لسان حال شعبنا وامتنا اليوم يقول لقد مللنا من النفاق السافر والازدواجية المقيتة للحكومات والمؤسسات والجهات الدولية ،وسئمنا الانحياز للعدو الصهيوني ومصالحه ، وحان الوقت لتمزيق أقنعة الإنسانية الكاذبة لتظهر والوجوه القبيحة الغربية منها والأمريكية ومن لف لفها على حقيقتها، وعلى الصعيد الداخلي فإنني أري أنه أصبح من الواجب الآن علي الجهات الرسمية أن تبحث هوية المؤسسات التي تساند مواقف الاحتلال، وهل ما زالت فلسطينية أم أنها انسلخت من ثوبها بمناصرتها ودعمها للرؤية الغربية المتساوقة مع مواقف الاحتلال دون قضايانا الوطنية.