1- فكرة الفزاعة
كنا نزرع "المقاثي" أيام زمان، أو في زمان الخير، أو في الزمن الجميل على رأيهم، وعند نضج الثمار، وحتى لا تنقرها العصافير كنا نضع في وسط "المقثأة" (بهمز وبدون.. حتى يصرف لها جواز سفر الهمزة!)، كنا نضع ما يسميه المزارعون أحياناً "شرشوح" أو "ناطور مقاثي" أو بالمصري: ""خيال مآتة". وباللغة الدارجة الآن في الإعلام لا عند المزارعين: "الفَزاعة".. والفكرة منها أن تخيف العصافير فتظنها أصحاب المزرعة الذين يمكن أن يضربوها بالحجارة أو يصطادوها، فتفر من المكان، وتبحث لها عن رزقها أو (رزقة) في مكان آخر بديل. ولكن العصافير ذكية، فكانت تمر على هذه العصي التي نلبسها بعض "المشطوب" من ملابسنا التي كانت "مشطوبة" أصلاً، ونضع على رأس العصا حطة وعقالاً، من المشطوب أيضاً حتى يبدو المنظر حقيقياً أو طبيعياً.. ولكن العصافير ما تلبث أن تكتشف اللعبة، إذ "تستطلع" بجولة فوق "الشرشوح" ثم تقترب في الثانية، إلى أن تحط فوق رأسه، أو تذرق عليه ولا تذرف دمعة! وقد أخرجت ألسنتها لأصحاب المقثأة، بعد أن نامت النواطير التي قال عنها المتنبي.. معتمدة على "الشراشيح" التي لم تعد تثير إلا الشفقة، والبؤس.. وفقدت "الإفزاع". ولا هي "فزعة" ولا "يفزعون"!
فكنا نلجأ إلى حيلة جديدة، بتنقيل هذه الشراتيح أو الشراشيح من أمكنتها، أو تغيير ملابسها بعد مواقعها، أو نصدر أصواتاً حولها "كالقرقعة" على "التنَك"، أو "نفصّل" عند الحداد "دوّيرة" تحركها الريح فتصدر هي الأصوات المطلوبة، كل ذلك لتفزع العصافير وليسلم المحصول وتسلم "الغلة"! (من الغلول والغل والغلال مثل ما بدك!) (وكل واحد و "حسبته"!) في "حرب عقول" بين المزارعين و "العصافير". وكان المنتصر فيها غالباً العصافير فنجد نصف الفقوسات "منقرات".
هذه فكرة "الفزاعة" التي تلجأ إليها الأنظمة العربية مستفيدة من خبرة المزارعين كلما حَزَبها أمر أو دهمها خطب، ونحن الآن ما ندري أفي زمن الخطوب أم زمن الشُّعوب.. (أو الشَّعوب أم الشاعوب ما دمنا في جو الزراعة و "القلاعة".. يا خالي!)
على أنه كما فشلت فكرة الفزاعة "مالت" العصافير، فشلت الفزاعة "مالت" الأنظمة..
والأنظمة تستغل رصيد الكراهية الذي صنعه الإعلام الغربي بخاصة والعربي بالتبع "للقاعدة"، دون أن تحتاج إلى صنع رصيد جديد.. فلم لا نستخدم الجاهز؟ ولماذا التفصيل؟ لقد جرت "شيطنة" القاعدة، كما جرت شيطنة اسم الخميني ليستخدم "لزقة" جاهزة لكل أنواع الجروح! ووصفة لكل الأنظمة المتربحة المترنحة لتثبت في أمكنتها. و "العاجز من لا يستغل"! أو "من لا يستبد"!
2- القاعدة.. "ذفيفريت"!
والفزاعة المثلى ذات أعلى سعر في البورصة، والتي تمشي في كل الأسواق هي فزاعة القاعدة! وما من بلد عربي إلا واستعملها. أحياناً من الداخل بالاختراق والقيام بعمليات مرتبة مفبركة معلبة مجهزة.. وأحياناً بالشوشرة فقط، واستخدام الاسم.. دون عمليات. تنوع الإخراج والتمثيل والتمثيلية واحدة.. والمخرجون متعددون. ومخارج الطوارئ متعددة!
وراجع سجل الثورات والثورات المضادة، أو ردات قوى الشد العكسي، هل من بلد لم يستخدم فزاعة القاعدة؟ حتى أوهموا العالم أن العالم العربي تحكمه القاعدة، لا الأنظمة "القاعدة" على صدور "القاعدة" العريضة من الناس والأغلبية "القاعدة" الصامتة الغلبانة.
ومن أحسن من استخدموا هذه الأداة أو الفزاعة أو خيال المآتة أو "الكاراكوز" أو الأراجوز بالمصري، اليمن السعيد سابقاً. وأشهد أن "الصالح للأمريكان" كان من أكفأ كتاب السيناريو مع تولي الإخراج. واستقدم الأمريكان -في الظاهر- ليحاربوا القاعدة، وفي الباطن والباطل ليسندوا حكمه ويديموا كرسيه.. على رأي الحقيد القذافي في ترجمة: "الديموكْراسي"! وكان أحياناً يقوم بعمليات تظنها لجودة التمثيل حقيقة أو حقيقية!
3- المعلم: الدول العربية كلها معنا!
أعتقد أن المعلم في هذه المقولة صادق. وبقدر ما هو صادق فإنها شهادة ضده وضد النظام، لأن الدول العربية التي يستشهد بها المعلم لا تجتمع إلى على ضلالة! أولا يذكر المعلم أن هذه الدول هي التي تمول المحكمة الدولية التي حرصت على توريط سوريا وحزب الله بدم الحريري؟ أولا يذكر المعلم يوم كانت سوريا متهمة بالثورية والتقدمية ودعم قوى المقاومة واحتضانها، وتبني نهج الممانعة (سوى نهج البردة) أولا يذكر وهو معلم كيف أن هذه الدول إياها كانت على الخط المعاكس لسوريا والاتجاه المشاكس لها؟
ألم تكن هذه الدول في شبه قطيعة مع سوريا، وكانت سوريا في شبه عزلة عن محيطها العربي؟
والآن بعد أن بطش النظام في سوريا بشعبه، وأصبحت هناك قطيعة مع هذا الشعب، أو بين هذا الشعب والنظام، انهال الدعم العربي لهذا النظام في سوريا، لأن الدول العربية تتساند من التساقط والتهاوي، لا تريد أن تعمم تجربة مصر، فيدعم المبطلون بعضهم، فشهادة المعلم ضد معلمه وضد نظامه إذ يستشهد بدول الخيبة العربية ودعمها ومساندتها، وهو يعرف تماماً عما يتكلم وعمن يتكلم! وإذا كانت هذه الدول وبعضها يتمظهر بمظهر إسلامي وسوريا في الخط العلماني فكيف تدعم تلك الدول هذه الدولة؟
4- بشار: الدعوة إلى الحوار!
وهذا أيضاً منطق الإفلاس، ومنطق من ضغطته الظروف وألجأته إلى الزاوية أو إلى الجدار! فأولاً: من حكم ثنتي عشرة سنة، قد كانت مهلة كافية لإجراء مثل هذا الحوار، لو كان ثمة ثقافة حوارية أو نهج يعتمد المحاورة، أو سياسة تحترم الأمة والشعب وتعتد بهما.
وثانياً: ها نحن في حوار مع دولة العدوان إسرائيل فماذا جنينا من هذا الحوار؟ وقد يقال: هل تشبه عربياً بإسرائيلي؟ فيقال: التشبيه في ظروف الحوار في ظل موازين القوى المختلة، لا تعود بعائد. أما قال رابين وبيريز: كنا نحاور أنفسنا ونحن نحاور الفلسطينيين.
وثالثاً: الحوار يحتاج إلى مؤسسات تترجم نواتجه إلى برامج وخطط وتنفيذيات، وإلا فإن الكلام والتنظير كثير وأرخص من الشعير (الكيلو بالمناسبة 70قرشاً يعنى بدولار!)
ورابعاً: ما أشبه الحوار في بلادنا بالديمقراطية. فقد رفعها كل العرب قميص عثمان فهل رأينا منها شيئاً يتحقق على أرض الواقع؟
وما أشبه الحوار بشعار مقاومة أو مكافحة (أو مكافأة) الفساد. فهل كوفح الجراد والفساد؟ أم ما يزال يضرب بعناد في البلاد والعباد؟ وما يزال يأكل الأخضر واليابس؟ فالحوار كذلك شعار يمتص ثاني أكسيد كربون الاحتقان في أجواء البلاد، فإذا أدى وظيفته أغلقنا دكان الحوار واستأنفنا الضرب بالنار وأساليب العيار والشطار!
5- المؤامرة الخارجية.
ما فتئت سوريا النظام، أو النظام في سوريا، يردد ويردد الإعلام المبرمج: إن سوريا تتعرض لمؤامرة خارجية. من أين وإلى أين؟ هذا في بطن الشاعر. وقبله قالها الصالح، إن ما يتعرض له اليمن مؤامرة تدبر في أمريكا وتدار من إسرائيل، فلما أسمعه السفير الأمريكي الذي يديره ويدير اليمن، لما أسمعه ما يكره سحب كلامه أو لحسه واعتذر! وأدرك أنه تجاوز الخطوط الزرقاء والحمراء والبرتقالي! وما عادت من مؤامرة. وقالها الزين والشين وحسنين!
وسجل القرآن أن من هو أقدم من هؤلاء قالها في وجه دعوة موسى للتوحيد وللإصلاح والعدل، قال: "إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون.." وقال: "إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى.."الخ.
لقد انكشف المخبوء والمخبور، وإذ بحلف إستراتيجي مع هذه القوى الخارجية، فإسرائيل تحذر أمريكا من التهاون في حالة الوضع السوري بالسماح له بالتهاوي، لأن إسرائيل ستفقد بنزع الحكم من هؤلاء حليفاً إستراتيجياً، وتحذر من أيلولة الحكم إلى أيدي المسلمين الذين هم العدو الإستراتيجي، والتاريخي لإسرائيل.
نكذب مين ونصدق مين يا أصحاب نظرية المؤامرة؟ معلوم أن السياسة لها باطن وظاهر وأن الباطن بخلاف الظاهر. والثورية الظاهرة شيء والارتباطات بالقوى الخارجية شيء آخر؟
أما ملأ القذافي الدنيا ضجيجاً ثورياً وعجيجاً، ثم اكتشفنا أن أقرب المقربين إليه يعقوب نمرودي التاجر الليبي اليهودي (تاجر سلاح وليس مواشي!)؟
6- المظاهرات.. والمظاهرات المضادة.
وهذا سلاح مشترك في الدول والأنظمة. واليمن أجاد فيه. وقد كان الصالح يعطي لكل مشارك (60000) ريال يمني، والمشروبات طبعاً والساندويشات ويطلق النار على المطالبين بالإصلاح. وكذا في سوريا. لماذا لا يندس المندسون المسلحون في المظاهرات المؤيدة للنظام ليعطوا المبرر للأمن والشبيحة والجيش والقوى السرية الأخرى(..) أن تطلق عليها النار، وتقتل من المؤيدين، فلماذا لا يندس المندسون المسلحون إلا في المظاهرات السلمية المطالبة بالإصلاح؟ ولماذا تفتح الطرق للمؤيدين، وتفتح النار على المطالبين بالحرية؟
إن قدرة الدول على التحشيد معلومة، فهناك الموظفون والطلاب والطلائع والشبيبة والأجهزة والقوى المنظورة وغير المنظورة والامتيازات وأصحابها والمحاسيب والمستفيدون، هناك فئات تجمع مع الأمن والسلامة فلماذا لا يحتشدون؟
أما الإصلاحيون فيقدمون أرواحهم بشجاعة نادرة وفدائية باسلة باهرة ليتقدم وطنهم. فيا من تحشدون مرتزقة! اربعوا على أنفسكم. هذه حيلة تنطلي على عجزة العقول وكل مسطول. أما العقلاء فلا تمر حيلتكم عليهم وما لكم به حيلة! ويبدو أن مناقشة منطقكم وذرائعكم تحتاج إلى محطة أخرى!