لم تكن جمعة صالح العلي (الثائر العلوي الوحدوي المعروف في تاريخ سوريا) التي أعلنت عنها الانتفاضة السورية (17/6) عفويةً بحالٍ، بل كانت شكلاً من أشكال الردِّ على مساعي النظام في تَجْيِيش الطائفة العلوية لصالحه من جهة، مع ردٍّ صريح على اتهام المنتفضين بالطائفية.
أتباع النظام يتهمون الحراكَ الشعبي بالطائفية، ويُدلِّلون على ذلك بالهتافات التي تتردّد في المسيرات مثل "الله أكبر"، وما شابهها من العبارات الدينية، فضلاً عن الحضور السلفي المزعوم في العمل المُسلّح، وهو حضور هامشي جدًّا يعود في معظمه إلى اختراقٍ لمجموعات صغيرة من السلفيين الجهاديين الذي كان نشاطهم محصورًا في السياق العراقي بمعرفة النظام قبل أن يُمنعوا بالقوة.
يضاف إلى ذلك بعض الحضور الإخوانِي في أوساط المعارضة، والذي يجري استخدامه في سياق استدعاء الصراع الذي دارَ مطلع الثمانينات، وحيث لم يكن الإخوان بَعِيدين عن استخدام اللغة الطائفية، الأمر الذي توقفوا عنه منذ سنوات طويلة في خطابهم وأدبياتهم المنشورة.
هناك بالطبع ما تبثُّه بعض الفضائيات المحسوبة على التيار السلفي، ممن تخصصت سابقًا في الرد على الشيعة، فيما تركز نشاطها هذه الأيام على سوريا مستعيدة لغة الخطاب التكفيري حيال العلويين "النصيرية".
والحال أن أية محاولة من طرف الجماهير لاستبعاد الملف الطائفي من الصراع لا تبدو مُجْدِيةً إذا كان القصد منها إبعاد الطائفة العلوية عن النظام. يحدث ذلك لأكثر من اعتبار؛ أولاها أن عاقلاً لا يمكنه إنكار ما حظيت به الطائفة العلوية من امتيازات وسطوة خلال حكم الأسد الأب ومن بعده الابن، وإن ساد التذمر بعض أوساطها بسبب تحول الحكم من الطائفة إلى العائلة خلال المرحلة الأخيرة. أما الثانِي فهو حالة الحشد الطائفي والمذهبي السائدة في المنطقة، والتي تدفع الطائفية العلوية للاعتقاد بأنّ سقوط النظام يعني تعرضها للاضطهاد، الأمر الذي لا يبدو صحيحًا؛ لأن السوريين أكبر من أن تأخذهم شهوةُ الانتقامِ ضد طائفة بأكملها.
هناك بعد ثالث يتعلق بتشيّع نسبة من العلويين بعد سماح الرئيس الأسد (الأب) لمشايخ الشيعة اللبنانيين بالعمل بين صفوفهم، وهنا يحضر التأثير الإيراني على هؤلاء تبعًا لإيمان طهران بأن معركة النظام السوري هي معركتها الأهم في هذه المرحلة (يستحق هذا الموقف الإيراني الطائفي المَقِيت وقفة أخرى أكثر شمولاً).
من هنا يمكن القول: إنّ مواقف الطائفة المذكورة تبدو أقرب إلى الحسم لصالح النظام، وإن تذمُّر بعض أركانها من طبيعة معالجته للأزمة، ومخاوفهم من تأثير ذلك عليهم. أما بالنسبة للنظام فإن الطائفة هي النواة الصلبة في المواجهة الأمنية، وسيستخدم وجودها في الجيش والأجهزة الأمنية ومجموعات الشبيحة في سياق المواجهات الأهم. أما ما تبقى من الجيش والمؤسسة العسكرية، فيكفي أن يكون للطائفة حضور في أعلى هرمها حتى يطمئن الأسد إلى تجنُّب أي انشقاق ذي بالٍ فيها، وسيكون بالإمكان إحالة أي عمليات قتل لعناصرها المتمردة إلى "مجموعات السلفيين".
نذكّر بأننا لا نتحدث عن نسبةٍ ضئيلةٍ من السكان، حتى لو قيل إنّ نسبتهم أقل من 15%، ذلك أن من بين هؤلاء مئات الآلاف ممن يحملون السلاح، أو الجاهزين لحمله، أكانوا مدنيين أم عسكريين.
من هنا تتبدَّى أزمة الحراك السوري مع النظام، فهو لا يرفض تقديم تنازلات حقيقية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إبداء الاستعداد لخوض المعركة الأمنية حتى النهاية، مستندًا في ذلك إلى سيطرة مُطْلَقَة على المؤسسة الأمنية والعسكرية، وقبل ذلك إلى كتائب من أبناء الطائفة العلوية ممن لن يساوموا في انحيازهم للنظام حتى الرمق الأخير، ولا ننسى أن لهؤلاء دورًا أيضًا في تسيير مظاهرات ضخمة في عددٍ من المدن لصالح النظام، فضلاً عن المسيرات التي يمكن تنظيمها بمشاركة الآخرين عبر الطرق التقليدية، أي الترغيب والترهيب.
هل يعني ذلك أن النظام باقٍ ولن يزحزحه أحد؟ كلا بالطبع، والسبب هو أن استخدام الورقة الطائفية يشكِّل سيفًا ذا حدَّين، ففي حين يمكنه أن يمنح النظام نواة صلبة من المؤيدين في الشارع ومن حملة السلاح، إلا أنه سيدفع الطرف الآخر (السني) الذي يشكِّل أكثر من 80 % من الشعب إلى حسم موقفه بالكامل، مع تعبئة دينية يعلم الجميع ما الذي يمكن أن تفعله في حالات من هذا النوع، أما السلاح فليس من الصعب توفيره بهذه الطريقة أو تلك، خاصة في ظلّ الانشقاقات المتوقعة في الجيش، والتي بدأت من الناحية العملية، كما حصل في جسر الشغور، مما يعني الذهاب نحو حرب أهلية ستُكلِّف الكثيرَ الكثيرَ، لكن نتيجتها محسومة ضد النظام من دون شك.
هو مسار لا نتمناه لسوريا، ولا لسواها، في حين يبدو من العبث أن يُقال للسوريين إن قوة النظام المستندة إلى طائفة بعينها ينبغي أن تدفعهم نحو السكوت على الظلم والفساد خوفًا من الحرب الأهلية؛ لأن خطابًا كهذا لن يكون مقبولاً، وإذا قبلته نسبة من الناس، فلن يقبله الباقون.
المسألة بالغة التعقيد، وهي تفتح الباب أمام احتمالات التدخل الخارجي الذي سيحرص على أمن الكيان العبري، أكثر من حرصه على سوريا والسوريين، لكن وزر أي إزهاق لأرواح السوريين أو تخريب لبلدهم (فضلاً عن التدخل الخارجي) سيتحمَّله النظام ورموزه وليس الناس المطالبون بحقهم في الحرية والعدالة.