أعادت نتائج الانتخابات البرلمانية التركية (12/ 6) الجمهورية التركية وحزب العدالة والتنمية إلى دائرة الضوء التي لم تخرج منها أبدا خلال العقد الأخير، كدور إستراتيجي في المنطقة، وكنموذج يفرض بنفسه أمام الشعوب العربية، ويحلو للذين يعيشون في أجواء فكرة المؤامرة أن ذلك كله مخطط ومرسوم من دوائر عالمية لا تترك شيئا دون تدبير، وقد عشنا فترات من حياتنا تلك الأفكار التي تضمنها كتب مثل «أحجار على رقعة الشطرنج» و«برتوكولات حكماء صهيون»، ومع مرور الوقت وازدياد الخبرة بالممارسة السياسية، واللقاءات المباشرة مع صانعي الأحداث ومتخذي القرارات، وفترات التأمل الطويلة في السجون والمعتقلات والحوارات المتعمقة الهادئة في الندوات والمؤتمرات، والاحتكاكات الدولية ومتابعة تقلبات الأوضاع وتغيير السياسات واختلاف الفرقاء الذين كانوا رفقاء وأصدقاء أيقنت بعدة أمور:
أولا: أن المدبر الوحيد لهذا الكون هو الله سبحانه وتعالى )قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنـزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (آل عمران)
ثانيا: أن هناك سننا إلهية وقوانين ربانية أرساها المولى سبحانه وتعالى ومنها سنة التدافع (ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) (البقرة).
ثالثا: أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران).
ولا يمنع هذا أبدا من أن الجميع لا يفكرون ويخططون ويدبرون، ولا يمكن أن تدير الدول الكبرى ولا الدول العادية شئونها دون خطط وموازنات والاختيار بين البدائل المختلفة.
وفي تاريخنا الحديث رأينا "وعد بلفور" واتفاقية "سايكس- بيكو" ومعاهدة فرساي واتفاقية "بريتون وودز" وميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. وغيرها.
يمكن أن يقول المراقبون إن هذه كلها مؤامرات، أو تقسيم غنائم أو اتفاقيات فرضتها ظروف الحروب، أو آمال يسعى البشر إلى تحقيقها في عالم الواقع تنزيلا من عالم المثال.
عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة أصبح النموذج التركي حاضراً بقوة، ليواجه نماذج أخرى في التطبيق السياسي بالبلاد الإسلامية، وكل المتسائلين والمراقبين يقولون دوما: أي النماذج تستنسخه الشعوب الإسلامية؟
- النموذج الإيراني أم النموذج التركي؟
- النموذج السوداني أم النموذج الطالباني؟
ينسى هؤلاء جميعا أن تعدد النماذج المطروحة يعني ببساطة أنه ليس هناك نموذج وحيد، وأن الساحة مفتوحة لبروز نماذج أخرى.
وينسى هؤلاء أن النموذج الإيراني لم ينجح في تصدير ثورته إلى بلاد العالم، واكتفى ببسط تأثير إيران السياسي القومي والدفاع عن مصالحها بكل وسائل القوة الناعمة والخشنة، ومتهما بنشر المذهب الشيعي الاثني عشري الجعفري حتى في الأوساط الشيعية كما في الأوساط السنية، وفخورا ومشغولاً بحماية مشروعه النووي للدخول عالم المعرفة النووية مؤجلا امتلاك السلاح النووي مركزا على استخدام الطاقة النووية في المجالات السلمية.
يريد المروجون للنموذج التركي تحقيق أهداف سياسية في مقدمتها:
1) فرض علمانية إقصائية بغيضة وربطها بالديمقراطية تعسفا وجبرا بدعوى أن نجاح الديمقراطية في تركيا ارتبط بالعلمانية.. وينسى هؤلاء أن الديمقراطية التركية تصحح أخطاءها، وأن العلمانية التركية تتراجع بالتطبيق السليم للديمقراطية، وأن الفطرة النقية للشعب التركي ظهرت خلال العقد الأخير، ولولا التراث الثقيل لعقود سبعة أو ثمانية لتخلصت تركيا من العبء العلماني.
2) إعطاء دور سياسي للجيش لحماية النظام السياسي الديمقراطي في الواجهة، وفي الحقيقة لحماية العلمانيين أو الأقليات أو المصالح الخارجية.
ولا يدرك هؤلاء أن ذلك أصبح من التاريخ في تركيا، وأن التطبيق الديمقراطي يقلص الآن دور الجيش ودور المحكمة الدستورية العليا، خاصة في فرض الإقصاء والعزل السياسي ويعلي من دور الشعب الذي فرض على الأحزاب السياسية أن تتوافق على الدستور الجديد، ثم يقره الشعب في استفتاء عام، وسينهي عقودا من سيطرة الجيش ويحل محل الدستور الذي فرضه "كنعان أيفرين" عام 1981م في الانقلاب.
ويريد الغرب الترويج للنموذج التركي لتحقيق أهداف معينة:
1) الحفاظ على العلاقات المتميزة مع العدو الصهيوني، سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، تلك التي ورثتها حكومة "العدالة والتنمية" من العهود والحكومات السابقة عليها في تركيا.. وينسى الغرب أن تلك العلاقات المتميزة تمر بأزمة حادة قد تسفر عن تحول استراتيجي، وقد يؤدي إلى هدنة طويلة في الصراع مع العدو الصهيوني.
2) التركيز على البعد الاقتصادي كمدخل للتنمية السياسية والاجتماعية والثقافية، وإلحاق هذا النمو الاقتصادي بالاقتصاد الغربي باتباع آليات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي .
ويتغافل هؤلاء عن نماذج تنمية اقتصادية ناجحة في بلاد أخرى كان هدفها الاستقلال ورفض التبعية كماليزيا والبرازيل وفنزويلا والصين، مع التعامل مع الاقتصاد الغربي من موقع الندية.
بينما يرى الإسلاميون العرب جوانب أخرى في النموذج التركي مضيئة:
أولا: أن الطريق السلمي للتطبيق الإسلامي هو النموذج الوحيد القابل للبقاء، وأن الطرق الأخرى مسدودة، الانقلابات العسكرية، حروب العصابات لإنهاك النظم المستبدة، استدعاء الأجانب والقوات الأجنبية لطرد الطاغية، التمرد المسلح.
ثانيا: أن التطبيق الديمقراطي قادر على تصحيح نفسه بنفسه، وأن المسار الديمقراطي قد يكون طويلا ولكنه آمن، قد يتعثر ولكنه يقوم من جديد ليواصل المسيرة ويحقق الأهداف.
ثالثا: أن تحقيق حاجات الناس الاقتصادية أولوية ملحة، وأن تمثيل كافة الشعب ضروري، وأن الخروج من البعد الإيديولوجي إلى البعد التطبيقي هام، وأن الحزب المنفتح على الجميع، المتنافس مع الجميع وفق قواعد الدستور والقانون، الذي يقيم علاقات خارجية متوازنة يمكن أن يقود دولة في حجم تركيا وسط عالم مليء بالعواصف والأنواء رغم الميراث الثقيل والعوائق والعقبات.
رابعا: أن السياسة الداخلية مقدمة على السياسات الخارجية، وأن دولة قوية متماسكة ديمقراطية يمكن أن تلعب دورا خارجيا وإقليميا مؤثرا، وأن القفز إلى الطموحات الخارجية قد يكون مدمرا لكل الآمال والأحلام، ويكفي تصغير المشاكل مع دول الجوار والسعي الجاد لدور يليق بمكانة الدولة وينطلق من قوتها الداخلية.
خامسا: أن الشعب لا يمكن أن يعطى لحزب ما، مهما كانت نجاحاته تفويضا على بياض بفعل ما يريد ولو كان كتابة دستور جديد. لذلك فإن على الحركات الإسلامية أن تمزج بين نشاطها الحزبي السياسي ونشاطها الدعوي المجتمعي في منظومة متكاملة تحقق لها التأييد الشعبي الواسع.
سادسا: أن التعامل مع رجال المال والأعمال والقضاء على الفساد وتحقيق الشفافية والتنافسية ووضع الضوابط الصارمة وتنشيط الادخار والاستثمار كفيل بتقوية الدولة التركية عن طريق بناء واقتصاد قوي ينعكس ايجابيا على المواطنين، وهو الطريق لكسب تأييدهم واستمراره.
سابعا: أن حل المشاكل العالقة والموروثة الداخلية، يأخذ وقتا طويلا، كالمسألة الكردية والعلوية، والحجاب، بينما كان التفاهم حول القضايا الخارجية أسهل.
أما تركيا الدور فهذا ما لا يمكن إنكاره، فتركيا تتمدد في الفراغ العربي بسبب بروز الدور الإيراني من جهة، وغياب الدور المصري وتردد الدور السعودي وعدم قدرته بسبب نموذجه الخاص وعلاقته الخاصة بالخارج. وعندما يزدهر الربيع العربي ويحين قطاف ثماره سنرى توازنا جديدا وتكاملا بين الأدوار المختلفة، المصري الصاعد، السعودي الحاسم، السوري المنتظر أو يمكن إدماج الدور الإيراني إذا رغبت إيران لتكون المنطقة العربية والإسلامية حلما حقيقيا للازدهار الاقتصادي، والتكامل المعرفي والتجاري، والتطبيق الديمقراطي لتعطي للعالم كله نموذجا حضاريا يضيف إلى النماذج الحضارية التي توالت من الشرق والغرب والجنوب لنعيش عالم "حوار الحضارات" وليس "صدام الحضارات" وسينزوي العدو الصهيوني في ركن من المنطقة حتى يزول تلقائياً وينتهي دون حروب أو صراعات أو إراقة دماء.