قوميون ضد قومهم!!

نشر 26 يونيو 2011 | 12:04

ذكّرنا رفض نقباء قوميين ويساريين إقامة معرض «سوريا .. جرح نازف» في مجمع النقابات بمقولات البعض عن الإسلاميين بأنهم يرفعون شعار التعددية كغطاء لأطماعهم في السلطة، ثم لا يلبثون أن ينقلبوا عليها، مع أن سواهم هو الأولى بالتهمة كما يبدو، لاسيما أن تجاربه العملية أكثر بكثير.

 

نقابة المهندسين الزراعيين التي يتصدرها الإسلاميون أصرت على إقامة المعرض، بينما رفضه نقباء قوميون ويساريون، وآخرون أقرب إلى اللون الرسمي على تعدد خلفياتهم، والنتيجة هي إقامة المعرض من قبل الإسلاميين ليوم واحد فقط بدل ثلاثة، ما مكن الآخرين من توصيل رسالتهم إلى النظام السوري بأنهم بذلوا ما في وسعهم.

 

الإسلاميون في هذه الجولة من جولات الصراع بين الجماهير والأنظمة كانوا الأكثر انسجاما مع أنفسهم، وهم خلافا لجحافل من القوميين واليساريين (ليسوا جميعا بالطبع) رفضوا الانحياز إلى النظام أو التسامح مع جرائمه لمجرد انتمائه إلى جبهة المقاومة والممانعة، رغم أن الجبهة المذكورة كانت في معظم تجلياتها إسلامية الطابع.

 

ليس لنا خلاف مع من يرون نظام بشار الأسد جزءًا مهما من جبهة المقاومة والممانعة، وكانت له أدوار مهمة في فلسطين ولبنان والعراق، بخاصة خلال الألفية الجديدة، لكن ذلك كله لا يمنحه شيكا مفتوحا لاضطهاد شعبه وحرمانه من الحرية والعدالة.

 

كان بوسع السادة القوميين واليساريين أن ينصحوا نظامهم الحبيب بضرورة فتح الباب أمام إصلاحات حقيقية، مع العلم أن الشارع السوري كان يمكن أن يقبل بحد معقول من تلك الإصلاحات، لكنه لم يواجَه من الرئيس بغير السخرية كما رأينا في الخطاب الذي ألقاه في مجلس الشعب قبل شهرين.

 

لا أعرف كيف ينسجم القوميون واليساريون (ليسوا جميعا بالطبع) مع أنفسهم حين يهتفون لرئيس شاب يقف أمام مجلس الشعب ساخرا من ثورة شعبه، بينما يكيل له «شيوخ» المجلس مدائح من النوع المثير للخجل؟!

 

ألا يليق بنخب الأمة أن تتوصل إلى كلمة سواء بينها عنوانها دعم الحرية ورفض كل نظام يدوس على خيارات شعبه، بصرف النظر عن مواقفه السياسية، من دون أن ننسى تشديد الخناق على الأنظمة التي تبيع المواقف للخارج حتى لو ادعت الحرية والتعددية.

 

لسنا نهمّش مسألة المواقف الخارجية، لكننا نعتبر معركة الحرية في الداخل، ومعركة التحرر من التبعية الأجنبية، معركتين متكاملتين، وقدر الأحرار أن يخوضوهما على نحو متزامن ويدفعوا الثمن مهما كان.

 

بعد ذلك، وربما إلى جانب ذلك تكون معركة الوحدة، ومعركة الوحدة تستدعي التوحد على مطلب الحرية والعدالة، بصرف النظر عن شكل النظام ومواقفه، وليس من حق بشار الأسد أن يستخدم مواقفه الممانعة والمقاومة مبررا لاضطهاد شعبه في الداخل.

 

ألا تشعر تلك النخب بالخجل حين تطالب بالحرية والتعددية ونبذ الفساد هنا، بينما تدعم نظاما يقدم ثروات الشعب على طبق من ذهب لابن خال الرئيس، فيما يعلمون أن الأخير لا يتاجر لحسابه وإنما لحساب العائلة برمتها؟!

 

أتذكر سياسيا قوميا ممن يحبهم القلب نظرا لشفافية مواقفه، أتذكر كيف كان يتحدث عن فساد النظام ونخبته الحاكمة بحزن وقهر. كان هذا قبل الثورات العربية بزمن، ولا أعرف للأمانة موقفه الحالي مما يجري، والأرجح أن آثر الصمت، وهذا يُعدّ موقفا إذا قورن بالمواقف التي تجاهر بالدفاع عن ممارسات النظام.

 

سيقول البعض إن الإسلاميين كانوا يمدحون نظام بشار الأسد قبل الثورات العربية، وهذا صحيح، ومناط الحكم حينها كان متعلقا بالمواقف الخارجية، لأن الوضع العربي وقتها كان يعيش الدكتاتورية بأشكال مختلفة، ولا فرق يذكر بين بلد وآخر، مع أنهم لم يكونوا ينسون تذكير النظام السوري بضرورة الانفتاح على الداخل، وفي هذا الزاوية عشرات المقالات خلال سنوات طويلة كانت تلح على هذا البعد.

 

تفقد النخب مصداقيتها حين تنحاز إلى الدكتاتورية، وسيفقد الشعب السوري ثقته بكل تلك النخب، بل حتى بالشعوب الشقيقة حين تقف ضد أشواقه في الحرية والعدالة، لكننا نحمد الله أن الغالبية الساحقة من الأمة تقف معه دون تردد، تماما كما وقفت من قبل مع الشعب التونسي والمصري، ولا زالت تقف مع سائر الشعوب الثائرة ضد الظلم والطغيان.