افتتح رئيس الوزراء الفلسطيني ظهر أمس الأربعاء الموافق 22-6-2011م مدرسة مصطفى صادق الرافعي للصم في احتفال مهيب يليق بهذه الشريحة التي كانت إلى فترة قليلة مهمشة وتأتي هذه الخطوة ضمن خطوات كثيرة ملموسة شهدها الحقل التعليمي في النهوض بطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة في قطاع غزة سواء على مستوى عملية دمجهم في المدارس الحكومية الرسمية أو تعزيز الكادر المعلم والمتابع لهم في مدارسهم الحكومية والخاصة أو على مستوى إيجاد مجمع يرعى شؤونهم "مركز المصادر" الذي يضم العديد من الأخصائيين في النطق والعلاج الطبيعي والتربية الخاصة وعلم الوظائف، بجانب تلك الخطوات المشهودة التي خطتها الوزارة في تطور الإرشاد في المدارس الحكومية من توظيف مرشد لكل مدرسة بعد أن كان عدد المرشدين سابقا يتراوح من 40الى 50% من مجموع المدارس الحكومية بجانب إنشاء العديد من غرف الإرشاد المجهزة بكافة مستلزمات العملية الإرشادية.
أما قصتنا مع مدرسة الصم فكانت قصة مؤثرة لها في قلبي فرحة كبيرة ما زلت أتذوقها واشعر بحلاوتها في كل لحظة ومع كل بسمة طالب أصم لأنها كانت حلما فخاطرا فاحتمالا فواقعا ملموسا على الأرض وفي أي الظروف في ظل الحصار العالمي على قطاع غزة الذي ضرب بعرض الحائط معاناة شرائح كثيرة في المجتمع الفلسطيني في أمس الحاجة للرعاية الإنسانية ممن يدعون أنهم دعاة الإنسانية.
قصتي مع مدرسة الصم بدأت في شهر ديسمبر لعام 2009م حين كنت ارعي حفلا للمعاقين بمديرية رفح بيوم المعاق العالمي ومع انتهاء الاحتفال فإذا بسيدة تنقض علي كالأسد الهصور وحاصرتني من كل جانب طالبة مني وبدون الاعتذار أن أرافقها والوفد المصاحب معي إلى مؤسستها وبالفعل وبدون مقدمات وافقنا وذهبنا هناك فوجدنا مدرسة للصم ذات البنيان الحديث والحدائق الواسعة والمرافق المتناسقة وإذا بي أجد نفسي وجها لوجه مع الطلبة الصم وتركتني لأخاطبهم وبدون حجاب بعد أن عرفتهم باسمي وبموقعي بوزارة التربية والتعليم العالي وأسعفني حبيب قلبي حامل الهم والحلم الأستاذ خالد فضة مدير دائرة التربية الخاصة بالوزارة الذي كان يترجم لي ما يقوله الطلبة الصم الذين حرموا من نعمة السمع ولكنهم لم يحرموا من الإرادة والعزيمة والإصرار والتحدي رأيت إبداعاتهم في النجارة والتطريز والتجميل رأيت كتبهم وخطوطهم سمعت أنينهم الخارج من قاع قلوبهم وأعماقهم سلمت عليهم بادلتهم التحية والابتسامة والضحكات رغم ما كان يعتصر في قلبي من الم لهول المشهد هؤلاء الأشبال وتلك الزهرات ولكنها إرادة الله وحكمته في خلقه وربما لنحمد الله نحن الأسوياء على نعم الله التي يغمرنا بها دون أن نشعر بقيمتها إلا بعد أن نفقدها أو أن نرى من هم محرومون منها، وما هزني هو طلبهم أن تمنح لهم الوزارة فرصة التكميل بمدرسة ثانوية كما تسمح لشريحة "المحرومين من النظر"العميان"" لأنهم يسرحوا من المدرسة عندما يصلوا إلى الصف التاسع، وما آلمنا هو إصرارهم وتحميلي الأمانة وشعرت بأن الذنب سيلاحقني إن لم أحقق مطلبهم فرجعت من رفح الصمود من جمعية الأمل لتأهيل المعاقين إلى غزة العزة العامرة بعد أن قطعت على نفسي أن أحقق لهم ما يوعدون بقدر استطاعتي ومقدرتي فكان القرار الأول أن تعمل الوزارة جاهدة على توحيد المنهاج لهم وألا يترك الاجتهاد للمعلمين أو للمؤسسات الخاصة الذين يدرسون حسب رؤيتهم معللين ذلك بقدرات وإمكانيات الطلبة حيث يقول بعض المدرسين بان الصم يحتاجون إلى ثلاث حصص لكل حصة من حصص الأسوياء وبالفعل شرعنا بالإعداد والتجهيز والتخطيط وعزمنا على توحيد المناهج للصفين الأول الأساسي والعاشر وشرعنا في التنفيذ في عقد اجتماع موسع للكوادر الفنية والمهنية لمؤسسات الصم المنتشرة على طول قطاع غزة والذين كانوا أسرع من الوزارة في الوصول إلى هذا الانجاز الوطني العظيم وبينما نحن كذلك فإذا يطل علينا المال العربي المخلص ليحتضن الفكرة الفلسطينية ويوسعها ويطورها ويسقيها لتخرج علينا بحلة جديدة الحلة التي طالما الطلبة الصم يحلمون بها إنها مدرسة الصم الثانوية كأول مدرسة ثانوية في فلسطين عندما جاء اتحاد الأطباء العرب بماله ومعداته وخبراته ليضعها تحت تصرف الوزارة لتحقيق هذا الحلم والذي تلقفناه بكل شوق وانطلقنا في تشكيل الفرق الفنية لتقييم مناج الصف العاشر (تثبيت، حذف، إثراء، إضافة)المواضيع التي تتوافق وقدرات الطلبة الصم العقلية ثم جاءت المرحلة الثانية مرحلة الترجمة بلغة الإشارة والتي استعنا بها بطاقم جيد من ذوي الخبرة وخاصة من هم صم أيضا وأقول وبكل فخر إن الطواقم التي عملت في التقييم أو الترجمة أو وضع القاموس الخاص بالمنهاج كانت تعمل على مدار الساعة بل كانت تسابق الزمن حيث كنا مضغوطين جدا وكنا نود أن نفتتح المدرسة في العام الدراسي الجديد 2010-2011م وكم كنت اشعر بالفخر والسعادة أثناء متابعتي لورش العمل في مركز التدريب التابع لمديرية غرب غزة التي استضافتنا مشكورة وذللت لنا الصعاب وتحملتنا في ساعات التأخير، حتي خرج هذا الحلم إلى النور و أسجل أمرا لم أبح به لأحد حتى كتابة هذه الكلمات عندما جاء أخي وحبيبي الأستاذ خالد فضة حاملا الاسم المقترح للمدرسة فطرح اسم (مصطفي صادق الرافعي ) وبدأ يقرأ علي سيرته وشعرت بمدى حرصه على هذا الاسم واجتهاده في البحث على اسم من بين عدة أسماء هو اختارها فوافقت على الاسم في حين كنت أود أن أطلق عليها اسم (الشيخ احمد ياسين رحمه الله) كونه أيضا كان يعاني من ألام ومشاكل كثيرة في السمع وهو معاق فلسطيني ورمز لهذا الشعب وهذه الأمة ولكني لم ابد ما في نفسي لأخي خالد لأنه الجندي الحقيقي والمجهول لهذا الصرح العلمي الكبير فالي الأمام يا وزارة التربية والتعليم العالي والى الأمام يا دولة رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور إسماعيل عبد السلام هنية والى الإمام أيها الجنود المجهولون في وزارة التربية والتعليم العالي.