1- مدخل:
كتب الصحفي الأمريكي اليهودي الشهير توماس فريدمان مقالاً في الأسبوع الأول من حزيران يبين فيه مدى أهمية سوريا وخطورة موقعها، وأن التغيير فيها ليس كالتغيير في بقية مناطق العالم العربي، وذلك لما لسوريا من تماس مع جبهة العدو الإسرائيلي. وأنت تعلم أن الأهمية من وجهة نظرهم في كل أمر مرتبط –ضرورة- بـ"إسرائيل". ولأنها -أي سوريا- تتاخم عدة دول كلها مهم مثل لبنان وتركيا والعراق وفلسطين والأردن، ولأهمية الجولان، ولأن سوريا هي الداعم الأساسي لخط المواجهة الأول أعني حزب الله وحماس وباقي الحركات الفلسطينية. (بالمناسبة: فريدمان هو كاتب المبادرة العربية للسلام مع "إسرائيل" كلمة كلمة والعرب هم الذين قرأوها فقط. فصارت مبادرة عربية تبناها العرب بالإجماع. ودقي يا مزيكة على مبادرة أمريكا!)
وبرغم "الزعبرة" الإسرائيلية على النظام في سوريا فإنها في العمق لا تتحمل أي تغيير على النظام السوري. فجبهة الجولان (أخطر الجبهات) لم تطلق منها طلقة طيلة عشرات السنوات، بل كانت تتمتع "إسرائيل" من هذه الجهة بأن مطلق! وتكلمت "إسرائيل" عن المطالبة الشكلية بالجولان والغض والإغضاء بصورة عملية. فالوضع رغم "الزعبرة" مثالي لـ"إسرائيل". والقادم مجهول. والمعلوم خير من المجهول وأضمن وأوثق وأثبت. ولا داعي للمغامرات. ثم إن هاجس الصعود الإسلامي الذي يمثل بقاء النظام في سوريا كابحاً قامعاً له، وكان النظام مقبول الوجه إلى حد بعيد إلى وقت قريب.. كل ذلك يجعل "البديل" القائم خيراً أو أفضل من أي بديل قادم. لذا فإن "إسرائيل" ترفض بشدة أي تغيير في سوريا. وهذا ما جعل مجلة F.P(فورن بوليسي) "السياسة الخارجية" تقول في هذا اليوم (8/6) متسائلة عن هواجس "إسرائيل" وكوابيسها من أي تغيير في سوريا. ولكل ذلك فإن الدولة الشيطانية المتحكمة في العالم تضغط على (سادتها-عبيدها)، أمريكا بالذات أن لا يجري أي تغيير في سوريا. وفي هذا تلتقي رغبة الأنظمة العربية مع الرغبات الإسرائيلية في عدم إجراء أي تغيير. ولذلك تم دعم علي الصالح من الأعداء التقليديين له لئلا يترنح أو يسقط. وكذا باقي الفرقة كالقذافي ومن إليه تم دعمهم من الواقع العربي "الواقع" في حمأة التواطؤ والخيانة!
وأحببت في هذه الحلقة من حلقاتنا عن دمشق أن أناقش منطق النظام في دمشق.. وخاصة الكلمة التي هي من "المفضلات" عند الرئيس بشار:
2- سوريا الله حاميها:
وأول ما أحب أن أتطرق إليه كلمة ما فتئ الأسد الابن يرددها: "سوريا الله حاميها" وهو كلام جميل وشعار حلو قريب من النفس والقلب وحس الشعب وتراثه. ويعبر عن يقين شعبي ووجدان جمعي، ويختزل معاني كثيرة ويكثف تجربة تاريخية في الصراع مع الأعداء..الخ.
ولكن هل المقصود من سوريا: الشعب أم النظام؟ وهما اليوم في حالة خصام وفصام وانقسام، وما عاد الكلام عنهما كأنهما شيء واحد أو أنهما في حالة وئام والتئام. لا، هذا زمان ولّى من زمان، وإلى غير رجعة. وأنتم كنتم السبب. فسوريا التي يحميها الله ليست سوريا حفنة من أصحاب المصالح والأهواء أو الارتباطات الخفية أو الفئوية أو الطائفية. إنما سوريا الجماهير، سوريا الإيمان والمؤمنين، سوريا الشعب الطيب الذي سارت بطيبته الركبان، وتحدثت عنه كتب التاريخ والجغرافيا، سوريا "الأمة التي لا تجتمع على ضلالة". هذه سوريا التي يحميها الله.
واليوم تتعرض سوريا التي "الله حاميها" تتعرض لأشرس حملة لم تعرف مثلها على يد مستعمر صهيوني ولا مستعمر فرنسي ولا شيء من هذا القبيل.
وسيحميها الله ويحفظها ويحرسها "ويعدّيها" من أزمتها ويخلصها من ورطتها. واليوم وجسر الشغور تنزف دماً، وسياسة الاستفراد ببلد يلد تسير وفق المخطط الشيطاني، فتهجّر الأسر والنساء والأطفال كما جرى لأهل فلسطين، وأتذكر قول الفرزدق:
مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب من نديف القطن منثور
ولكن الذي يضرب جسر الشغور وهي بلدات الثغور، طيلة التاريخ، والصراع مع البيزنطيين.. لا يضرب أهلها نديف القطن، ولكن: قذائف الدبابات، "والدم في الطرقات منثور".
وسيحمي الله جسر الشغور وسيحمي حماة وإدلب وحلب ودير الزور والقامشلي والحسكة ودرعا ودمشق درة المدن.. وسيحمي سوريا، وما هذه إلا موجة ستنحسر وتنكسر وقد خسر فيها من خسر، والشعب رابح على كل الأحوال والشهادة مغنم. والأيام بيننا وهي دول. زمن الثمانينيات غير زمن العشرية الثانية في القرن الحادي والعشرين. هذا قرن التحولات.. هذا زمان الشعوب والثورات. هذا أوان انتهاء المهلة التي أعطاكم الله يا حكام العرب ليختبركم وفشلتم! فانتهت المهلة وسحب البساط وطويت الصحف وجفت الأقلام.
سوريا المساجد "الله حاميها". سوريا الدين والتقى والخير والعطاء "الله حاميها". سوريا الشباب المؤمن في حلق العلم يلتفون حول العلماء ليعرفوا دينهم ويعرفوا كتاب ربهم وسنة نبيهم، هذه سوريا التي.. "الله حاميها". أما الخادعون الغادرون المتاجرون الوالغون في الدم المستخدمون البطش فلا يحميهم الله: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل خوان كفور"
أوتظن أيها الرئيس أن سوريا التي "الله حاميها" هي المباني والحجارة؟ أو تظن أن حماية البشر غير داخلة ضمن الحماية الإلهية؟ أو تظن أن "الله حاميها" من أعداء الخارج فقط؟ أو تظن أن الله يسحب حمايته عن سوريا أمام هجمات همج الداخل وأعداء الداخل والشبيحة ومن إليهم؟
وإذا كنت حقاً تعتقد أن سوريا شعباً وأرضاً في ذمة الله وفي كنف الله وفي أمان الله وحماية الله ورعاية الله، فما يكون حكم المعتدي على الحماية الإلهية والمعتدي والمتحدي لهذه الحماية الإلهية؟
ألا يكون محارباً لله محاداً له مشاقاً إياه سبحانه، إذاً اسمع: "ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب" الحشر4. "إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين" المجادلة5.
إن من يتعدي على الحماية الإلهية لبلدٍ ولشعب ذاك البلد فليأذن إذاً بحرب من الله. "ومن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" كما في الحديث القدسي.
هذا إن كنتم فعلاً تعتقدون أن سوريا "الله حاميها". ونحن نعتقد جازمين أن سوريا، بالفعل، "الله حاميها". وسيرفع عنها هذه الغمامة السوداء! وشدة وستزول!
3- قل كل يعمل على شاكلته:
ليس المرء ما يقول. وإنما المرء ما يعمل. فالعمل أصدق تعبير، وأصدق تعبيراً عن المخزون، من القول. "الفعل أصدق أنباء من الكلم.". ولا تَعرف شاكلةَ المرء إلا إذا رأيتَ العمل. ولذلك قال الله تعالى في سورة الإسراء: "قل كل يعمل على شاكلته" وقد تقول ما يرضي الناس وينطلي عليهم بزخرف القول ومعسول الكلام ولكن كما قال زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فمن كان يتصور أو يتخيل أو يظن أن الرئيس المثقف الطبيب الدكتور الذي كان يشنف الآذان ويخاطب الأذهان في مؤتمرات الكلام في شتى أقطار العربان، سيخرج منه من العنف هذا الذي خرج وكان؟ وتبرز منه من صور الدموية والبطش مثل الذي ظهر وبرز وبان؟ هذا يفوق الخيال والتوقع مهما بالغ المرء في توقع السوء والشر والطغيان! لم ضحّيْتَ بكل هذا الرصيد الذي أولاك الناس؟ هل كنتَ تعني ما تقول؟ أم كنت تقول ما لا تعني؟ هل كنت تريد أن تخدع الذين آمنوا؟ وهل يترك الله الناس دون كشف في الدنيا قبل الآخرة؟ "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب" هل غُلبتَ على أمرك؟ كما نحاول أن نفسر لك. ولو كنت على شيء من الخير المأمول إذاً لاعتقلت كل من ورطوك وطلعت على الناس تقول لهم: يا شعبي الذي أولاني ما لم أكن أستحق. لقد قتل أبناؤكم رغماً عني، ولكني سأزج بالذين قتلوا أولادكم في غياهب السجون، فهم الذين باعدوا بيني وبينكم. ولكنك لم ولن تفعلها. لقد ربطت نفسك بمصالحك وبالطائفية وأبيت أن تكون قائد وطن! وارتضيت العاجلة العابرة المارة وضحيت بالآجلة الباقية القارة.
كانت لك فرصة ذهبية أن تكون زعيماً وقائداً تاريخياً تحوطه القلوب وتفدّيه النفوس، ولكنك أبيت هذا ودخلت جحر الضب، واستخدمت العنف مع أو ضد الشعب، تظنه أقصر الطرق. وإنه لأقصر الطرق كما توقعتم، لكن لا لإسكات الشعوب، بل لتعبئتها ورص صفوفها وتحشيدها لتقف وقفة واحدة. وإذا الشعب يوماً وقف وقفة واحدة فلا بد أن يحصل على التغيير الذي يريد وشكل النظام الذي يختار. هذه سنة الله في الأكوان في المؤمنين والكفار. هذه هي الأقدار يا بشار.
4- ثنائية: حماية المقاومة والدكتاتورية:
يبدو أن احتواء أو احتضان حركات المقاومة كان غطاء لا للدكتاتورية فحسب، وإنما غطاء كذلك لكل الممارسات الخفية والارتباطات السرية، والفظاعات بحق الجماهير والإجراءات غير الإنسانية. فإذا ضج الناس من المظالم تم إسكاتهم بأنّا نحن البلد الذي يحتضن المقاومة، فانكشف الأمر أن المسألة مجرد غطاء لكل الجرائم التي يمكن أن يرتكبها النظام أو قد ارتكبها. وهو في الوقت ذاته أبلغ إساءة لحركات المقاومة، ولقد تمت مهاجمة مكاتب الجبهة الشعبية القيادة العامة وأذاعتها إذاعة القدس، وقتل أثناء ذلك عدد من شباب مخيم اليرموك. لقد جرّت هذه الممارسات على حركات المقاومة غضباً شعبياً، وأنا أزعم أن شعبية حزب الله تضررت وضربت وتآكلت كما لم يحدث لها طيلة تاريخ الحزب، بفعل هذا التبني من النظام السوري والتحالف معه من قبل الحزب.
هذه الثنائية أو التلازمية خادعة وغير لازمة. فأوهن موقف يمكن أن نضع فيه المقاومة أن تكون على حساب كرامة الشعب والأمة. وهل قامت المقاومة إلا من أجل الحرية والكرامة؟ فكيف نفتعل ونجعل المقاومة وحمايتها نقيض ما قامت لأجله المقاومة؟ ما هذه الثنائية الاقترانية الافتراضية العبثية الشيطانية؟ أقوى ما تكون جبهة وطن وأمة عندما تكون كرامة المواطن في الأوج وحريته مزهرة مزدهرة، وحقوقه مرعية محروسة محفوظة.
ليست المقاومة بالضرورة في تبني خط الثورة الإيرانية ووصاية خامنئي! ولا العمالة بالضرورة في الجهة المقابلة. ومعاذ الله أن أكون أدعو إلى صراع مع طرف. أو أن ننساق إلى المعسكر الإسراأمريكي الذي يريد ضربنا ببعضنا. لكني أرد على تلازميات غير لازمة: المقاومة والخط الإيراني. أو المقاومة وظلم الشعب في سوريا. بل الأصل احتضان المقاومة وصيانة كرامة الشعب السوري. هذه متلازمة صحيحة! أما الأخرى فخداع.
الممانعة والتصدي والمقاومة يعني كل ذلك جبهة داخلية متراصة متينة، وهذا نقيض ما يجري من تفكيك الجبهة الداخلية وتسليط بعضها على بعض، كما قال الله عن فرعون: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين" القصص4.
لماذا تشعر فئة بالراحة والطمأنينة والرغد، والغالبية في رعب وخوف وضيق وحصار؟ هل هذه الفئة المستفيدة من الحكم منذ خمسين سنة هي الشعب السوري؟ أم إنها العلق الذي يمتص الدم السوري؟
ولنا في مناقشة منطق النظام لقاء آخر.