الأفعى والسلَّم

نشر 16 يونيو 2011 | 09:52

على رقعة صغيرة من الورق توجد عشرة مربعات في عشرة مربعات، وعلى الرقعة صورة للأفعى، ذيلها في الأعلى، ورأسها في الأسفل، وعلى الرقعة ذاتها يوجد صورة لدرجات السلم، تبدأ من أسفل، وتصعد إلى الأعلى، عندما يلعب الأطفال، يحرصون على الوصول إلى القمة، فإذا صادف أحدهم الحظ، ووصل إلى أول درجات السلم، فإنه يصعد فجأة، ويقترب من حوافي القمة، ولكن إذا لامس ذنب الأفعى فإنه يهوى، ويهبط فجأة إلى الدرك الأسفل، وكما كان للصعود تأثير أوسع، فإن للهبوط دوياً أوجع!

 

في الساحة السياسية الفلسطينية لا يختلف الصعود والهبوط كثيراً عن رقعة الأفعى والسلم في لعبة الأطفال، ولاسيما إذا كان الحراك السياسي محكوماً بأشخاص، يرتقي بقدرات بعضهم وطموحهم، وتطلعاتهم، وينحط بأطماع بعضهم، وأهوائهم، وارتباطهم، وهذا ما يختلف عن الحراك السياسي الفلسطيني القائم على القناعات والمبادئ، والراسخ في العقيدة، عندما يكون نجاح العمل السياسي هو نجاح للفكرة لا لمبدع الفكرة، وعندما يكون الصعود للقمة هو صعود للعمل التنظيمي لا صعود للشخص الذي نظم العمل.

 

في الساحة السياسية الفلسطينية تنتبه أغلبية المبهورين إلى المكان الذي صعد إليه من حالفه الحظ، مجرد أن يضع قدمه على أول درجات السلم، وصار في القمة، فيكثر من حوله المعجبون، والمنتفعون، والمصفقون، والمتكسبون، ومن يلتقطون الصور التذكارية، ولكن إذا هوى، لا يتنبه كل أولئك إلى المكان الذي انحط إليه، لا يلتفتون إلى جراحه، يتركونه، وتظل عيونهم شاخصة إلى القمة، إلى المكان الشاغر، ينتظرون من سيأتي إليه ليتفوا من حوله من جديد، ويعاودون التصفيق للصاعد الجديد.

 

قد تكون صدمة السقوط في ساحة العمل السياسي الفلسطيني محتملة، يمتصها الساقط، وهو يستعد للنهوض، ولكن صدمه انفضاض الربع والخلان والأصدقاء أقسى، لأنها لا تأذن بترميم العظم، عندما تلوح الأغلبية بيدها كي ترجمه بحجر. بينما في العمل السياسي الفلسطيني القائم على المبادئ والعقيدة، فلا سلالم، ولا صعود للفرد بشكل مفاجئ، ولا هبوط للفرد بشكلٍ مذلٍ، فالصعود للقمة يكون جماعياً، والهبوط إلى غياهب الجب جماعياً.

 

في الساحة السياسية الفلسطينية تتحرك أيدٍ خبيثة، معلومة ومجهولة، أيدٍ لها أهدافها بعيدة المدى، تتحرك، وتضع السلالم أحياناً أمام البعض، كي يصعد، وتغذي صعوده، وفي الساحة السياسية الفلسطينية تتحرك أيد خبيثة أيضاً وتدفع البعض باتجاه ذنب الأفعى، ليرتطم بالسقوط المدوي، حتى يصير الكبير صغيرا، والمرتفع منخفضاً، وتتكشف الخطايا، وتفضح الخفايا! بينما في العمل السياسي المرتكز على الثوابت، لا حراك إلا لأيدي الفعل القائم على العطاء، والتضحية والفداء، والعمل المخلص مع الرجاء، والصدق والوفاء، لذا لا يكون الصعود الصاعق، ولا الهبوط الماحق.