للكارثة أوجه متعددة

نشر 09 يونيو 2011 | 09:38

الوضع قبل 25 يناير كان كارثيا، وكل الذي حدث أننا تسترنا عليه قبل ذلك التاريخ، ثم رفعنا أصواتنا بالحديث عنه بعده.

 

الخبر ليس جديدا تماما، لأن كل واحد في مصر إما سمع به أو عانى منه، لكن جريدة «الأهرام» أوردت لنا (في عدد 2/6) بيانات مفصلة مستقاة من تقرير أخير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صدر تحت عنوان «مصر في أرقام»، وثق الكارثة ووسع من دائرتها. وقدمته «الأهرام» التقرير بحسبانه شهادة تثبت أن حكومة الدكتور أحمد نظيف خدعتنا حين ظلت طول نحو خمس سنوات تحدثنا عن ارتفاع معدلات النمو التي ظللنا نرفل فيها طوال ما سموه «أزهى العصور».

 

حين طالعت البيانات المنشورة رأيت ما يوحي بأن كل شيء كان معوجا، وأن سهم التدهور لم يترك قطاعا إلا ونفذ إليه واخترقه. من نماذج تلك البيانات ما يلي:

 

في مجال الخدمات الصحية في الفترة بين عامي 2005 و2009 انخفض عدد الأسرة بالمستشفيات الحكومية من 156 ألفا إلى 129 ألفا، بما يعنى أنه في حين زاد عدد السكان من 66 إلى 76 مليون نسمة، فإن الأسِرَّة المتوفرة بالمستشفيات نقصت 23 ألف سرير.

 

في الوقت ذاته، انخفض عدد مكاتب الصحة من 337 عام 2005 لتصل إلى 22 مكتبا عام 2009، كما انخفض عدد مراكز رعاية الأمومة والطفولة من 203 إلى 157 مركزا. وأكثر التخصصات التي شهدت تدهورا كانت «الحميات» التي يعتمد عليها محدودو الدخل في المحافظات من 106 عام 2007 لتصبح 43 فقط عام 2009.

 

وتقلص عدد الأسرة من عشرة آلاف إلى قرابة خمسة آلاف سرير، كما انخفضت وحدات جراحة اليوم الواحد من 12 وحدة عام 2006 لتصل إلى تسع فقط عام 2009. وبالتالي انخفض عدد الأسرة بها من 711 سريرا لتصل إلى 377 فقط.

 

انخفض نصيب الفرد السنوي من استهلاك بعض المنتجات الغذائية مثل الحبوب. إذ كان نصيبه 333 كيلو جراما سنة 2006، وأصبح 303 عام 2009، كذلك انخفض نصيبه من اللحوم الحمراء من 16 كيلو إلى 14 فقط.

 

ونفس الشيء بالنسبة للبقوليات التي انخفضت حصة الفرد منها من 8.8 كيلوجرام إلى 6.9 كيلو، وهذا ما حدث أيضا للآليات التي انخفضت فيها حصة الفرد من 77 إلى 76 جراما في الفترة ذاتها.

 

في حين انخفض عدد القضايا المنظورة أمام المحاكم من عشرين مليونا و657 ألف قضية عام 2006 إلى 17 مليونا و215 ألف قضية عام 2009، إلا أن الأوضاع الاقتصادية أدت إلى زيادة عدد المنحرفين، حيث زادت قضايا الكسب غير المشروع من 650 ألف قضية إلى قرابة 800 ألف قضية في الفترة نفسها.

 

شهدت السنوات الخمس الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في عدد الكوارث، فحوادث القطارات ارتفعت من 975 حادثا عام 2004 لتصل إلى قرابة 1260 حادثا عام 2010، أما حوادث السيارات فقد ارتفعت من 18 ألف حادث سنة 2006 إلى قرابة 25 ألف حادث عام 2010.

 

بالتالي، فقد زاد عدد ضحايا حوادث السيارات من نحو 31 ألف قتيل ومصاب إلى 46 ألفا وخمسمائة شخص خلال نفس الفترة.

 

من الأرقام الأخرى ذات الدلالة التي تضمنها التقرير أن معدلات البطالة وصلت إلى 9 في المئة، وأن نسبة التضخم كانت 4.8 في المئة عام 2005، ووصلت إلى نحو 12 في المئة في الوقت الحاضر، وأن العملية التعليمية عانت بدورها من التدهور، وارتفع متوسط الطلبة لكل فصل من 29 طالبا عام 2005 إلى 32 طالبا في 2009، كما ارتفع عدد حالات الطلاق من 65 ألف حالة عام 2005 إلى قرابة 90 ألف حالة عام 2009.

 

استفزني إعلان هذه المعلومات الآن. وقلت إن توقيت إصدار التقرير شهادة إدانة للذين سكتوا طول الوقت، ثم مارسوا شجاعتهم في فضح النظام بعد سقوطه، وهى الشجاعة التي اكتشفناها أخيرا في مواقف العديد من الإعلاميين والمثقفين. نقلت رأيي هذا على الهاتف إلى اللواء أبو بكر الجندي رئيس جهاز التعبئة العامة والإحصاء، فكان رده أن التقرير ليس جديدا، وأن الجهاز يصدر مثيلا له منذ عشر سنوات على الأقل في شهر مارس من كل عام. وهو في العادة يتضمن صورة الواقع كما هي بغير تجميل أو تزييف، في الوقت نفسه، فإنه يوزع على كل الجهات المعنية في البلد، وما حدث أن الإعلام كان يتجاهل ما ننشره طوال السنوات الماضية، ولكنه انتبه إلى مضمون التقرير بعد سقوط النظام، ومن ثم مارس «حريته» في نشر المعلومات الواردة فيه. ولو أن أحدا اطلع على ما أصدرناه في عام 2010 أو الأعوام التي سبقته، فسيجد أن معلومات وشهادات الكارثة موجودة فيها، ولكنها قوبلت بالصمت آنذاك.

 

أفحمني كلام الرجل فقلت إن للكارثة أوجها متعددة، وإن إزالة آثارها قد تحتاج إلى وقت أطول مما نتصور.