المصالحة وإعادة معايير الزواج لأصلها

نشر 05 يونيو 2011 | 05:11

خلال الأعوام الماضية التي أعقبت أحداث يونيو حزيران عام 2007م، وبالتوازي مع المخازي التي تكشفت تباعا لعدد من التابعين لحركة " فتح" بدءاً من وثائق المؤامرة على تجربة " حماس" في الحكم عبر ما كشفته مجلة " فانتي فير"، أو التصريحات المتواطئة على الشعب الفلسطيني خلال العدوان الصهيوني على غزة وما تبعه من الفضائح التي كشفتها وسائل الإعلام المختلفة، وصولا إلى القرار الفلسطيني بسحب تقرير "ريتشارد جولدستون" من الأروقة الدولية كخدمة مجانية للاحتلال، كلها قرارات وأساليب اتخذتها ومارستها بعض القيادات التي تسلقت سلم القيادة في التنظيم الفلسطيني الذي بات يتهاوى بأفعال هذه القيادات، وهو ما جاء يؤكده بما لا يدع مجالا للشك حلقات " كشف المستور".

 

ومن ضمن الأساليب التي دعا لتطبيقها أولئك القادة هو الأسلوب " الحقير" المتمثل في تعزيز القطيعة الاجتماعية بين أبناء الشعب الفلسطيني، وشيئا فشيئا كرسوا هذا الأمر وتعزز في شتى نواحي الحياة ومنها موضوع الزواج، فتبدل المعيار لاختيار الزوج للفتاة الفتحاوية بضرورة أن يكون فتحاويا، وللفتاة الحمساوية أن يكون العريس حمساويا، ولم يَعُد "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" كما أمر الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ليس المعايير وحدها التي تبدلت، بل الألوان تغيرت كذلك، وذات يوم لفت انتباهي اثنين من الأطفال يحمل كل منهما "طابة في يده" إحداها تحمل الأصفر لونا لها والأخرى ذات اللون الأخضر، شدني للأطفال أنهم مقتنعون أن الصفراء "طابة فتح" والخضراء "طابة حماس"، وهو أمر خطير وصلنا إليه. أن يصل إلى هذا الأمر كبار السن فأمر يمكن علاجه، ولكن ماذا إن تخلخلت هذه المعتقدات داخل عقول الناشئة، حينها نحن أمام مشكلة كبيرة وخطيرة.

 

الخطورة لم تتوقف عند هذه الأمر، بل تجاوزتها أبعد من ذلك كثيرا، فعائلة أفرادها مختلطون من حماس وفتح، وفي اليوم الذي كان ينتظر أحد أبناؤها عرسه وفرحة عمره على أحر من الجمر قاطعه والده خشية على قطع راتبه، خاصة وأن نجله أقام عرسا إسلاميا!!.

 

كتبت ولا أزال عن فوائد المصالحة الفلسطينية للشعب الفلسطيني "حتى وإن لم يتحقق ما ورد فيها على الأرض وبقي حبرا على ورق"، وأنا اليوم متفائل أكثر من أي وقت مضى لنجاح المصالحة النفسية والاجتماعية بين المواطنين الفلسطينيين، حتى وإن لم يتم تحقيقها بين السياسيين.

 

إن الشرخ الذي باتت تعيشه العائلات الفلسطينية أمرٌ خطير، بل وخطيرٌ جدا على النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وأعتقد أنه أحد أهم الأسباب التي دفعت حركة " حماس" للتوقيع على الورقة المصرية للمصالحة.

 

تلقينا نبأ توقيع المصالحة وتشابكت الأيدي الحمساوية بالفتحاوية، احتفل أبناء " فتح" في غزة ورفعوا الرايات وسيروا المسيرات وعقدوا الندوات، وفي الضفة احتفل قليلا جدا أبناء " حماس"، خاصة في ظل تواصل الاستدعاءات والملاحقات بحقهم.

 

وبغض النظر، فالإعلان عن اتفاق المصالحة أزال الحاجز النفسي والاجتماعي الذي كان سدا منيعا بين أبناء الشعب الواحد بفعل سياسات وتصرفات السياسيين، وهي خطوة من شأنها أن تُعيد الترابط بين أبناء المجتمع الواحد والأسرة الواحدة بعدما ساد الشرخ بين أفرادها لأعوام مضت.

 

إن زوال هذا الحظر على ابن الفصيل الآخر بالتأكيد سيؤدي لإزالة الحظر على الزواج من التنظيمات المتناقضة، وبالزواج يزيد الترابط والتداخل بين العائلات الفلسطينية، وهو أمر مهم من شأنه أن يحقق اختراقا واضحا في العلاقات الفلسطينية الفلسطينية ويوصلها إلى التوحد في مواجهة الاحتلال، كما أن ذلك سيؤدي إلى تغيير الصورة النمطية التي ارتسمت خلال الأعوام الماضية على عقول الجيل الفلسطيني الناشئ.

 

يكفي من المصالحة أن نُزيل الجدار الذي شطر الفلسطينيين إلى فسطاطين متنافرين اجتماعيا ونفسيا، وأزعمُ أن إصلاح الدائرة الاجتماعية والنفسية للفلسطينيين من شأنها أن تضغط على السياسيين بتحقيق المصالحة السياسية بينهم، أي أنه من غير المُستبعد أن يكون أحد أسباب الضغط لإنجاح المصالحة هو الضغط الجماهيري الصادر من أفراد المجتمع وليس من قيادتهم.