بعد أن تحدثنا عن الشرائح المتضررة من المصالحة والأسباب التي دفعت الحركتين الأكبر فلسطينيا "حماس" و"فتح" للتوقيع على الورقة المصرية للمصالحة في هذا الوقت بالتحديد، ننتقل للحديث بتعمق عما تحمله المصالحة في ثنياها وبين سطور صفحاتها "حتى إن لم تتحقق على أرض الواقع" وهذا ما لا نتمناه بكل تأكيد، فالقضية والشعب الفلسطيني يتعرضان لخيوط يُبدع في نسجها العدو الصهيوني باستمرار، وحتى نتمكن من التخلص من تلك الخيوط والحفاظ على المنجزات الفلسطينية، أعتقد أننا بحاجة لكل جهد فلسطيني "فتحاوي" و"حمساوي" و"جبهاوي" وغيره في سبيل توحيد الجهود للحفاظ على الثوابت الفلسطينية التي لا يختلف عليها اثنان في الساحة الفلسطينية، وإنما الاختلاف يكمن بين أدوات الفصائل لتحقيق النجاحات للقضية الفلسطينية.
إن توقيع المصالحة وفي حال "نجاحه" سيكون له تداعيات ومنجزات عظيمة من الناحية الاقتصادية والمالية على القضية الفلسطينية، ولعل كلامي هذا يدفع قائلا ليقول: لماذا الذهاب للتوقيع على اتفاق لا يُعلم مصيره؟. أعتقد أن الموقعين يريدون من وراء التوقيع طرق كل الأبواب التي من شأنها أن تحقق منجزات للشعب الفلسطيني، فإن نجحت كان بها، وإن كانت الأخرى "التي لا نتمناها" فيكون الموقعون قاموا بما عليهم فعله. صحيح أن حِملا كبيرا سيكون بانتظار الحكومة المقبلة التي يجري التوافق عليها لتشكيلها هذه الأيام، فتأمين رواتب الموظفين والمصروفات الشهرية والديون المطلوبة من ميزانية السلطة والبطالة وخريجي الجامعات كلها قضايا بحاجة إلى خطط كبيرة حتى تجعل هذه الحكومة تقف على أقدامها، ولكن وعلى الرغم من ذلك فهناك العديد من المنجزات الاقتصادية التي يمكن تحقيقها من خلال إنجاح المصالحة ويمكن تلمسها من خلال التالي:
1- وقف مسلسل الديون الذي اشتدت وتيرته على خزينة السلطة، وبخاصة في الآونة الأخيرة من قبل "حكومة فياض" التي كان البعض يتغنى بمنجزاتها وافتتاحها لمشاريع وتطوير خدمات في الضفة المحتلة، ليتبين بعد توقيع اتفاقية المصالحة أن ديون تلك الحكومة وبلسان رئيسها "سلام فياض" تتجاوز الملياري دولار، وهو ما ينفي أن تكون تلك المشاريع إنجازات، وإنما هي مصائب تشتد حلقاتها على الشعب الفلسطيني، ولذلك فمن شأن هذا الاتفاق وقف تضخم الديون الفلسطينية للجهات المختلفة، خاصة في ظل وعود عربية بدعم خزينة السلطة ومشاريعها التنموية في حال التصالح بين الفصائل الفلسطينية، وللاستئناس، فقد قال السفير ياسر عثمان سفير مصر لدى السلطة الفلسطينية في مقابلة مع فضائية الأقصى يوم الخميس 26-5-2011م: "إن مصر وبالتعاون مع الأشقاء العرب ستمول السلطة الفلسطينية وتوفر رواتب موظفيها"، مضيفا: "إن الدول العربية قادرة على تمويل السلطة الفلسطينية وتوفير الرواتب وسبل الحياة الكريمة في الأراضي الفلسطينية، ومصر ستقوم بالتعاون مع الأشقاء العرب لتأمين هذا الموضوع ورفع سيف الرواتب المُسلط على رقبة المواطن الفلسطيني ونزع هذه الورقة من يد الاحتلال الإسرائيلي. إن خطورة استمرار مسلسل الديون ينذر بتقديم تنازلات في لحظة من الأوقات للأطراف التي تقدم تلك الأموال "المشروطة" خاصة في ظل عجز أكيد عن سداد تلك الأموال، وهو ما يعني استمرار التراجع الفلسطيني اقتصاديا وتأثر مختلف الشرائح الفلسطينية.
2- إن الاتفاق سيؤدي حتما إلى توحيد جهود الوزارات والمؤسسات الحكومية، وهذا سيكون كفيلا بخفض المصروفات التي تتحملها خزينة السلطة، ففي ظل الانقسام قامت بالمصروفات الحكومية كلا من حكومة هنية في غزة "وحكومة فياض في الضفة" ومن ضمنها المستنكفين عن العمل في غزة، والمصالحة تعني توحيد تلك المؤسسات ومصروفاتها، وإمكانية الاستفادة من الأموال الفائضة منها بدلا من أن تذهب هدرا ودون فائدة تعود على المواطن الفلسطيني.
3- اشتمال قطاع غزة لخطط البناء والتطوير وإنشاء المشاريع، وعدم اقتصار هذا الأمر على محافظات الضفة الغربية التي استأثرت بالمشاريع دون غزة خلال الأعوام الماضية، حيث أنه وبالتوازي معها عاشت غزة فترات عصيبة من الحصار، أدت إلى إفلاس العديد من شركات المقاولات وكبدت رجال الأعمال في غزة خسائر فادحة نتيجة توقف العجلة الاقتصادية عن عملها بفعل الحصار.
4- المصالحة ستوحد الجهود والقرار الفلسطيني في سبيل العمل على إدخال الأموال التي أقرتها الأطراف المختلفة لإعادة الإعمار لآلاف العائلات التي لا تزال لا تجد بيتا أو سكنا يأويها. إن من شأن دفع عجلة الإعمار إلى الأمام واشتمال غزة في قائمة المشاريع التنموية الفلسطينية أن يؤدي لحركة في رأس المال الفلسطيني والتخفيف من نسبة البطالة التي تخطت 80% خلال الأعوام الماضية، وهذا يأتي من خلال تشغيل آلاف العمال في هذه المشاريع.
5- إن تشكيل "حكومة واحدة" في الأراضي الفلسطينية سيريح "حماس" من دفع ما يزيد عن 35 مليون دولار من ميزانيتها "الحركية" لصالح الحكومة، وهو ما يعني أن هذه الأموال إن ذهبت إلى خزينة الحركة فستؤدي إلى افتتاحها مشاريع تنموية واقتصادية واسعة، صحيح أنها ستكون ملكا للحركة ولكن مردودها سيكون واضحا من خلال التخفيف من حدة البطالة في قطاع غزة من خلال تشغيل المواطنين في هذه المشاريع.
6- إن المصالحة تعني في جوهرها "إن تحققت على الأرض" إفساح المجال أمام المواطنين للعمل بعد بطالة امتدت لأعوام، وهذا يتحقق من خلال تخلي عناصر الأجهزة الأمنية المستنكفة عن العمل عن أعمالها الأخرى التي عملت بها بعد توقفها عن العمل في السلك الحكومي، وبمعنى أدق إن عناصر الأجهزة الأمنية "الجالسين في بيوتهم" منذ أحداث 2007 يتقاضون رواتبهم مع نهاية كل شهر، وإلى جانب ذلك فقد بحث غالبهم عن مشاريع أخرى زاحم فيها باقي المواطنين، والمصالحة ستؤدي لعودتهم لأعمالهم الأولى في السلك الحكومي وترك تلك الأعمال للعاطلين عن العمل.
ليست النتائج الاقتصادية وحدها هي التي ستلقي بظلالها على المصالحة الفلسطينية، بل إن هذا الاتفاق سيفتح أفقا سياسية جديدة للقضية الفلسطينية، سواء لصالح القضية من جهة، أو حركة "حماس" كبرى التنظيمات الفلسطينية من جانب آخر. والأبعاد السياسية للمصالحة الفلسطينية سنتابعها في حديثنا المقبل بإذن الله تعالى.