بعد أن تحدثنا في الجزء الثاني من سلسلة مقالات "المصالحة الفلسطينية.. ايجابيات تتخطى التوقيع" عن الأسباب التي دفعت حركة "فتح" للتوقيع على ورقة المصالحة الفلسطينية، فإننا نسلط الضوء في مقالنا هذا على الطرف الثاني من المعادلة، ألا وهو حركة "حماس"، والعاقل يتساءل أيضا كما المواطن العادي، "حماس" وخلال الفترة الماضية كانت ترفض التوقيع على ورقة المصالحة المصرية، خاصة في ظل شروط من هنا وتحفظات من هناك، ليأتي فجأة خبر توقيع الحركة الأكبر فلسطينيا "بحسب آخر انتخابات تشريعية" على ورقة المصالحة، وهو النبأ الذي تلقاه الجمهور الفلسطيني بسعادة غامرة، وإن كان ترك علامات استفهام كبيرة لدى شريحة ليست بالقليلة من أبناء الحركة حول السبب الذي دفع حركتهم للتوقيع في ظل أن المعادلة ترجح كفتها لصالحهم.
صحيح أن القاعدة الحمساوية ومع هبوب نسائم التغيير في المنطقة، بدأت تستشرف معالم انفتاح وانهيار في الحصار المفروض على قطاع غزة وفتحا لأفق مستقبل لا نقول فسيحا ولكن على الأقل أفضل من السنوات الماضية، ولكن وعلى الرغم من ذلك فقد استجاب أبناء "حماس" لنداء حركتهم بالمصالحة حينما وجدوها واقعا، وهو تصرف يؤكد انضباط القاعدة الحمساوية مع قرارات القيادة، حتى وإن كانت تلك القرارات تتنافى عما يجول في خواطرهم، ولهم في ذلك "صلح الحديبية" أسوة وقدوة وهم الذين تعلموا تفاصيله ودروس السيرة النبوية الشريفة جزئية جزئية في لقاءاتهم التنظيمية المختلفة.
ومن خلال الإطلاع على الواقع الفلسطيني أستطيع القول بأن نظرة "حماس" للأمور في غالبها تكون بعد دراسة وتمحيص وتدقيق لاختيار الأفضل منها وما يعود بالنفع على المجموع الفلسطيني "على الأقل هكذا عهدناها خلال الأعوام الماضية"، ومع توقيعها على الورقة المصرية، يمكن أن نجمل أسباب التوقيع في النقاط التالية:
1- زوال نظام حسني مبارك الرئيس المصري السابق والذي كان أحد أهم الأسباب التي دفعت الحركة للتوقيع على الورقة المصرية في الوقت الحالي، فنظام مبارك تعامل مع ملف المصالحة الفلسطينية بأسلوب أمني وليس سياسي، وهذا ظهر جليا من خلال تكليف وزير المخابرات المصرية بالمهمة هذا من جانب، ومن جانب آخر رفض "القاهرة في حينه" للأخذ بملاحظات "حماس" على الورقة "وكأن عمر سليمان كان يقول لها خلال جلسات الحوار: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، بمعنى أدق أنه ضغط على "حماس" للتوقيع بشروطه، وهو الذي لم تقبله الحركة في حينه خاصة حينما رفض النظام المصري إعطاء ضمانات للتطبيق "على الأقل" في حال توقيعها بدون الأخذ بملاحظاتها، ولكن مع زوال هذا النظام واستعداد النظام الجديد لفتح صفحة جديدة من علاقاتها الخارجية، وجدت "حماس" الفرصة سانحة أمامها للتقدم خطوة إلى الأمام، خاصة بعد أن شجعها لذلك النظام المصري الجديد الذي أبدى استعداده لأخذ ملاحظاتها على الورقة بالحسبان.
2- شكلت موافقة حركة "فتح" على مناقشة قضايا رفضتها في الماضي دافعا لحركة "حماس" نحو التوقيع، فقد أبلغت "فتح" غريمتها الإسلامية على موافقتها إصلاح الأجهزة الأمنية في غزة والضفة بالتزامن بعدما كانت ترفض طرح أمن الضفة على الطاولة، كما وافقت على مناقشة إصلاح منظمة التحرير وإجراء انتخابات لمجلسها الوطني، وإلى جانب ذلك فقد وافقت على محكمة الانتخابات ومناقشة تشكيلها وقضاتها بالتوافق، فموافقة "فتح" هذه شكلت مفاجأة لوفد " حماس" المحاور، وهو ما دفعه للذهاب إلى المصالحة بعدما وجد زوال "معيقاتها المعلنة له"، خاصة وأن إستراتيجية علاقة "حماس" مع المحيطين بها تعتمد على أساس "أن الصلح هو الذي يسود علاقاتها مع مختلف الأطراف الفلسطينية"، وهو ما يعني أن الانقسام إنما هو أمر طارئ على علاقاتها الداخلية، وحينما تزول مسبباته فلا داعي لبقائه قائما في الميدان.
3- " حماس" تدرك جيدا وبعد أن فشلت مختلف المؤامرات التي أحيكت بحقها في قطاع غزة، من إنفلات أمني ومظاهرات مُسيسة وحصار وحرب طاحنة وغيرها، تدرك أن ميدان عملها وساحتها غير مقتصر على قطاع غزة، وإنما عليها أن تُعيد الضفة الغربية المحتلة إلى الواجهة مرة أخرى، وهي تدرك أن استمرار الوضع كما هو يخدم العدو الصهيوني الذي يبتلع ومستوطنيه الأرض الفلسطينية دون رادع لهم، خاصة مع جمود التسوية السلمية وإيصالها بالقضية الفلسطينية إلى مستنقع سحيق من التنازلات، ولذلك فحماس وقعت لأنها تسعى لرفع الأذى عن أبناءها ومجاهديها في الضفة. وهذا معناه "إن نجح وبإذن الله سينجح" توجيه ضربات للاحتلال تردعه عن مواصلة عربدته في مدن الضفة المحتلة.
4- إن وصول التسوية السلمية إلى طريق مسدود ومع استمرار تهديدات العدو بقطع المساعدات وغيرها عن السلطة الفلسطينية، يجعل "حماس" التي تعتبرها مختلف الأطراف الحريصة على الشأن الفلسطيني بأنها العاقلة والحريصة على مصلحة الشعب الفلسطيني، تفكر في القضية الفلسطينية مليا، فهي تدرك أنها إن لم تمد يدها لعباس فإن ذلك سيدفعه إلى تقديم تنازلات تضرُ كثيرا بالقضية الفلسطينية وتذهب بها إلى مجهول آخر يضاف إلى المجاهيل التي أصابتها سابقا، فحماس كان قرارها واضحا بأنه إن وضعت أميركا و(إسرائيل) عباس على الشجرة وسرقتا السلم، فمن واجبنا في "حماس" أن نضع له سلما يستطيع من خلاله أن ينزل إلى حضن شعبه بدلا من أن يرتمي في الحضن الآخر مقابل تنازلات تجعلنا فيما بعد نعضُ الأنامل عليها من الغيظ.
5- إن التعاون الأمني الذي تدور رحاه بين أجهزة أمن "فتح" في الضفة وصل إلى مستويات خطيرة على الشعب والقضية الفلسطينية، ولذلك كان على حريا على "حماس" أن تتقدم نحو عباس "وإن كانت تعلم جيدا أفعاله السلبية التي أضرت بالقضية الفلسطينية"، فهي تدرك أن تقدمها خطوة منه يعني ابتعاده خطوة عن العدو الصهيوني، خاصة وأنه يمر في ظروف صعبة على صعيد تسويته السياسية الفاشلة، وهذا ما حدث بالفعل وشاهدنا فيما بعد كيف ثار غضب قادة العدو بمجرد تسريب خبر المصالحة عبر وسائل الإعلام، وأعتقد أن "حماس" تراهن جيدا على هذا الأمر، فاستياء العلاقة بين عباس ونتنياهو سيخدم القضية الفلسطينية وسيكون مسمارا يُدق في نعش التعاون الأمني من جانب، وفتح ثقب من الممكن أن تتنفس من خلاله أجنحة المقاومة في الضفة، لتضرب العدو وتردعه عن جرائمه في سبيل إعادة القضية الفلسطينية إلى المكانة التي تستحقها.
6- السبب السادس الذي دفع "حماس" للتوقيع على الورقة المصرية يتمثل في سعيها لوقف مسلسل الديون الذي ارتفعت وتيرته على خزينة السلطة الفلسطينية، فكل المشاريع التي كان يقوم بها فياض في الضفة ويحاول أن يُبهرُ بها عيون بعض الفلسطينيين الذين يصفقون له "في سبيل إغاظة حماس" تأكد بأنها كانت ديون تُسجل على خزينة السلطة، وهو ما أعلنه بنفسه عندما تأكد "أنه ربما لن يكون ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة" بأن ديون السلطة تتخطى الملياري دولار. إن "حماس" من خلال المصالحة الفلسطينية التي كانت تطالبها بها أطراف دولية مختلفة قد تكون تلقت وعودا من أطراف عربية بدعم الخزينة الفلسطينية في حال إتمام المصالحة، وهي فرصة وجدتها سانحة لوقف الاستدانة من الأطراف المختلفة وإيصال السلطة إلى تقديم تنازلات مقابل هذه الأموال ذات يوم.
7- إن أحد أهم الأسباب التي دفعت "حماس" للتوقيع على ورقة المصالحة الفلسطينية أنها أرادت من خلالها أن تفتح لها أفقا دوليا جديدا، فهي تلاحظ أن الأوضاع في سوريا "حيث مقرها الأساس" غير مستقرة، وبالتالي فهي تبحث عن مستقر لها خشية أية تطورات من الممكن أن تحدث مستقبلا وهذا إنما يقع في إطار تخطيطها المستمر لإدارة أمورها، وهي أرادت بذلك أن تثبت لمصر أنها فتحت معها صفحة جديدة، وفي ظل الأوضاع التي تحياها مصر ومحاولة استعادة دورها الريادي فاتفاق المصالحة الفلسطينية أعادها في الواجهة مرة أخرى، وأمام مبادرة "حماس" الطيبة تجاه مصر ينبغي أن ترد الأخيرة الجميل لها، وهو ما تمثل في الحديث الذي سينتقل لإجراءات ميدانية لتحسين حركة المواطنين أفرادا وربما بشكل تجاري عن طريق معبر رفح وهو ما سيعود على المواطن الغزي بخير كبير، وهو ما تبحث عنه "حماس" هذا من جانب، ومن جانب آخر قد تدفع مبادرة "حماس" تجاه مصر دفع القاهرة لإيجاد حل سريع لقضية صفقة تبادل الأسرى وإنهاء ملف شاليط، وإنهاء قضية المعتقلين الفلسطينيين من مختلف الفصائل الفلسطينية في مصر"وهذا ملف شارف على النهاية"، وهو ما سيزيد من رصيد "حماس" الشعبي بشكل كبير في أوساط الفلسطينيين، وأعتقد أن هذا الملف بدأ يسخن شيئا فشيئا "أقصد صفقة التبادل" وإن كانت تلك السخونة بعيدة عن وسائل الإعلام كما جرى في ملف المصالحة، ومن جانب ثالث فحماس تبحث عن مستقر جديد لها "طبعا إن حدث أي طارئ لتواجدها في سوريا"، والأفضل لها من ناحية إقليمية أن يكون تواجدها في دولة قريبة على قطاع غزة وفي المقام الأول أن تكون مؤثرة في الخارطة السياسية الدولية، وبأي حال فلن تجد له مستقرا ومقاما أفضل من القاهرة.
قد تكون هذه هي الأسباب الوجيهة التي دفعت "حماس" للتوقيع على ورقة المصالحة المصرية، وبالتأكيد فهناك أسبابا غير معلنة، ولكن من خلال رؤية استشرافية مستقبلية، فأعتقد أن "حماس" الآن على مفترق طرق سيوصلها إلى تحقيق انجازات كبيرة على الساحة الدولية بالتوازي مع التغييرات الإقليمية الدولية، ولكن رُب قائل يقول: وماذا ستفعل "حماس" إن تنصلت "فتح" من المصالحة هذه المرة مثلما فعلت في مكة.. وهذا السؤال سنجيب عنه في الجزء الرابع بإذن الله تعالى.