أربع أعوام مضت على "الطلاق البائن" بين حركتي فتح وحماس عقب ما جرى منتصف يونيو/ حزيران من العام 2007، وأمام ضغط أطراف داخلية وخارجية عدة وسعي البعض الفلسطيني وراء مصلحة المواطن الفلسطيني انعقدت بين الفترة والأخرى لقاءات جمعت بين الحركتين الكبيرتين في الساحة الفلسطينية، ليكون مآل تلك اللقاءات الفشل، وهو ما أدخل المواطن الفلسطيني في نفق طويل من الإحباط عنوانه "استحالة إنهاء الانقسام".
فجأة وبدون مقدمات تناقلت وسائل الإعلام نهاية شهر أبريل 2001م نبأ توقيع الحركتين الكبيرتين بالحروف الأولى على اتفاق المصالحة في القاهرة.
جاء الخبر ولا يزال الفلسطينيين غير مصدقين، وتمضي الأيام لتنقل شاشات التلفزة الدولية مشاهد التوقيع والاحتفال به، وإن كان الإحباط تسلل إلى الجماهير التي احتشدت للاحتفال بسبب تراجع رئيس حركة " فتح" محمود عباس عما تم الاتفاق عليه في اللحظات الأولى، ولكن حكمة " حماس" اقتضت أن تتعالى على أمر مهم يتعلق بالبروتكول المتعلق بمكان جلوس رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل؛ فقد تنازلت عن هذه النقطة المهمة حتى لا تكون سببا في انتكاسة أخرى للمواطن "وسنفصل هذا الأمر في مقال آخر".
عقب توقيع اتفاق المصالحة وبعد أن أصبح واقعا عمليا ظهرت مواقف للعديد من الأطراف تؤكد بُغضها وتأثر مصالحها سلبا لنجاح اتفاقية المصالحة، ويمكن تحديد هذه الأطراف في التالي:
1- المتضرر من المصالحة الفلسطينية في المقام الأول هو الاحتلال الصهيوني الذي تلقى نبأها كالصاعقة، ولا يزال يتخبط في آلية التعامل مع نتائجها، تارة بالتصريحات المتعجلة لقادته، وأخرى بمنع تسليم أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية ومن ثم الإفراج عنها، وغيرها من الخطوات التي سيتخذها مستقبلا. إن السبب في تضرر العدو يكمن في النقطة الأمنية "وهي الأهم لديه"، فالمصالحة ستفضي مستقبلا- باعتقاده- إلى القضاء على التعاون الأمني بين قواته والأجهزة الأمنية الفلسطينية المنتشرة في الضفة الغربية المحتلة، فهذا التعاون قضى تماما على أي محاولات للمقاومة من الأراضي الفلسطينية بحق الصهاينة ومغتصبيهم والذين أذاقوا الفلسطينيين الويلات والآلام على مدار الساعة، كما أنه "أي التعاون الأمني بين الجانبين" والذي تم تطويره على مدار أعوام سيتعرض لإمكانية جعل حماية حدود الضفة مع الكيان الصهيوني على كاهل قوات الاحتلال بدلا من توكيلها للأجهزة الأمنية الفلسطينية وهذا سيكلف الاحتلال أموالا طائلة في سبيل تحقيق ذلك، هذا مع إدراكه لتعذر قيامه بهذه المهمة على كل الحدود كما كانت تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية؛ وذلك "لأنها من ناحية جغرافية حدود طويلة وبحاجة إلى أعداد كبيرة لحمايتها".
2- أما الطرف الثاني المتضرر من إبرام اتفاق المصالحة الفلسطينية وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع، فهم المستنكفون عن العمل في قطاع غزة منذ أربعة أعوام، فغالبيتهم يتقاضى راتبه الشهر بدون عمل أو مجهود، ومن جانب آخر فإنك تجد الواحد فيهم افتتح له مشروع عمل آخر يعمل من خلاله ويتقاضى راتبا ثانيا، فهو إما سائق تاكسي أو يملك محلا للكمبيوتر أو الجوالات وهكذا، ومعنى المصالحة باعتقاده أنه سيلتزم بعمله في السلك الحكومي وسيضحي بعمله الثاني، ولهذا فتجده إما متشائما من إمكانية تحقيق المصالحة "وهذا موقفه أمام الناس" ومنهم من يدعو الله سرا بفشلها "وهو موقفه الطبيعي"، وهذا بكل تأكيد ليس حال الجميع منهم، بل إن منهم من يدعو ليل نهار لنجاح المصالحة.
3- أما قادة منظمة التحرير فهم الآخرين الجهة الثالثة المستاؤة والمتضررة من تحقيق المصالحة، خاصة من أولئك الذين لا يمتلكون رصيدا شعبيا، فالمصالحة كما تم الاتفاق سيدخلها من كان خارجها وأبرزهم "حركة حماس" وهي ستدفع إلى إعادة بنائها لتعود ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وهذا تأكيدا يعني خروج هؤلاء " القادة" من أوسع أبواب المنظمة إلى المجهول، وبعد خروجهم لن يقال عن فلان أنه قيادي أو أمين سر في منظمة التحرير أو المجلس الوطني وغيره، ولن يجد الفضائيات تفتح له أبوابها، كما أن امتيازات كانت تصيبه من خيرات المنظمة "خلال فسادها" ستتوقف عن الوصول إليه.
4- بعض "وليس كل" مدراء وقادة الأجهزة الأمنية في الحكومة الفلسطينية في غزة يتمنون ألا تنجح المصالحة، وذلك من باب أنهم الآن قيادات ولهم من الامتيازات العديد، من خلال السيطرة والنفوذ وغيره "وهذا حسب اعتقادهم"، ومعنى المصالحة زوال السيارة والمرافقين والامتيازات، وربما يتحول القيادي فيهم إلى تابع لمن هو أعلى رتبة منه من الضباط المستنكفين عندما يعودون لعملهم، فرتبهم أعلى منهم كثيرا، كما أن المئات منهم وخلال فترة الانقسام حصل على شهادات عليا، وهي كفيلة برفع رتبته بشكل آلي ومباشر.
5- الفئة الأخيرة التي تعتقد أنها متضررة من المصالحة، هم من ذوي ضحايا الانقسام، فخشيتهم تتلخص في ضياع حقوق دماء أبناءهم من جانب من خلال عفو عام سيصدر خلال تطبيق المصالحة، ومن جانب آخر الخوف من عودة الانفلات الأمني المنظم مرة أخرى إلى شوارع غزة بعدما هرب منها لأربعة الأعوام.
إن هذه التخوفات طبيعية وواقعية، ولكن وخلال الحلقات المقبلة من مقالاتي حول المصالحة سنعرف المزيد والكثير عن المصالحة بإيجابياتها وسلبياتها وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع وبين المواطنين.
إلى الملتقى في الحلقة الثانية