عندما تلجأ الأنظمة إلى «الفنانين» لنجدتها!!

نشر 19 مايو 2011 | 09:09

كان لافتا أن أول لقاء عقده النظام السوري ممثلا في رئيسه كان مع الفنانين، حيث دعاهم إلى عكس الواقع في أعمالهم، ولا يعرف بالطبع أي واقع يقصده الرئيس في كلمته تلك، فيما يدرك الجميع أن المطلوب من هؤلاء هو نجدة النظام في حربه مع الجماهير.

منذ الثورة المصرية ونحن نتابع ما يمكن وصفه باتساع ظاهرة الروبيضات من الممثلين والممثلات (الروبيضة بحسب الحديث الشريف هو الرجل التافه يتحدث في أمور العامة)، والتي كان عادل إمام نجمها الأبرز، بينما ضمت إلى جانبه حشدا من الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات، ولا يتوقف الأمر عند هذا القطاع، بل يمتد ليشمل بعض (نكرر بعض) المشهورين من لاعبي ومدربي كرة القدم والرياضيين.

في الحالة المصرية كان القوم إياهم يخرجون علينا كل يوم في وصلات ردح وتمثيل وبكاء يشتمون من خلالها المتظاهرين في ميدان التحرير، بينما يكيلون المديح للسيد الرئيس، «بطل الضربة الجوية» وزعيم مصر الملهم وأسدها الهصور، ولم يكونوا يبخلون بكم هائل من الكذب والدجل والتزوير في سياق الحشد لصالح رئيسهم العظيم.

افتضح هؤلاء عندما سقط بطلهم العتيد، وصار رهن الاعتقال؛ هو ومعظم رموز مرحلته، وراحوا يعتذرون أحيانا ويكذبون أحيانا أخرى على أمل أن يغفر الناس لهم، لاسيما أن شباب الثورة كانوا لهم بالمرصاد عندما نشروا قوائم سوداء بأسماء من وقفوا ضد الثورة.

لا ننسى بالطبع أن ظاهرة الروبيضات تشكل قطاعا من الصحفيين والكتاب والمثقفين، حتى لا يظن البعض أننا نستثني أصحاب مهنتنا، لكن الأمر هنا يبدو مختلفا، إذ يمكن وضعه ضمن ظاهرة الانتهازية السياسية التي تشمل قطاعات عريضة من المجتمع، بما فيها علماء الدين الذي يتخصص بعضهم في إرضاء السلطان، من دون أن ينسى بعضهم القول إنهم بما يفعلون يعبرون عن موقف أهل السنة و الجماعة من الحاكم (ألا بعد لمنطق يشوه دين الله العظيم الذي جاء محررا للإنسان من أية عبودية لغير الله).

في الحالة السورية نتابع منذ أسابيع وصلات لا تنقطع من الكذب والنفاق يقودها حشد من الممثلين والممثلات من طراز دريد لحام وسلاف فواخرجي وباسم ياخور وآخرين، ويبدو أن بعضهم قد اعتقد أن نجاح الدراما السورية يعني بالضرورة أن رموزها من ممثلين ومخرجين قد صاروا نماذج تحتذى في المواقف السياسية، وأنه ما إن تتخذ إحداهن أو يتخذ أحدهم موقفا لصالح النظام أو ضده حتى يسير الناس في ركابهم زرافات ووحدانا.

من يتابع الفضائية السورية سيجد نفسه أمام هذه الظاهرة المستفزة، وسيستمع إلى وصلات من الكذب الرديء والنفاق الرخيص يقوده ممثلون وممثلات باعوا أنفسهم للشيطان وراحوا يرددون ما يُتلى عليهم من مزامير لا صلة لها بضمير الناس، بقدر صلتها بنصرة الظلم والظالمين، من دون أن ننسى أن ثمة آخرين كانت لهم مواقف مختلفة، وإن خجولة في رفض الظلم.

هي ظاهرة تستحق التوقف مليا في واقع الحال، ذلك أن القطاع الأعرض من الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات ليسوا من النماذج التي يحق لها النطق باسم المجتمع باستثناء قلة مثقفة وذات مواقف تخص الشأن العام، لأن محبة الناس لأداء ممثل أو لاعب رياضي لا يعني أنه بات نموذجا يحتذى في القضايا العامة.

في كثير من الانتخابات البرلمانية اعتقد ممثلون ورياضيون أن متابعة نسبة كبيرة من الناس لهم وشغفهم بتفوقهم الرياضي أو غنائهم أو أدائهم التمثيلي يعني إمكانية فوزهم، فكان أن طرحوا أنفسهم كمرشحين ليفاجَئوا بنتائج متدنية جدا في أغلب الأحيان.

إنه الوهم الذي يصنعه نجاح فيلم أو مسلسل أو أغنية، أو الشغف بمتابعة مباراة رياضية، من دون التفريق بين ساعات السمر وساعات الجد، لاسيما في بلادنا، وحيث يختزن المسلم في وعيه صورة خاصة للرجال الذين يستحقون التقليد في المواقف العامة، خلافا للغرب وحيث يمكن لوسائل الدعاية أن تجعل من ممثلة أو راقصة شخصية عامة تفوز في انتخابات سياسية.

لا خلاف على أن اتخاذ فنان محترم أو رياضي مبدع موقفا سياسيا ينسجم مع ضمير الناس، فضلا عن أن يدفع الثمن المترتب على ذلك في مواجهة السلطة، سيرفع قدره بين الناس، لكن الأمر هنا مرتبط بالموقف السياسي وليس بذات المهنة. أما العكس فليس صحيحا على الإطلاق، إذ أن اتخاذ موقف يناهض أشواق الناس في الحرية والكرامة لا يؤدي لغير الازدراء، تماما كما يحدث مع الآخرين.

خلاصة القول هي أن اعتقاد السلطة، أية سلطة أن تأييد الروبيضات لمواقفها يكسبها بعض المصداقية هو وهمٌ لا أكثر، ولو صحّ ذلك لصحّ في حالة بعض العلماء أصحاب المصداقية في الأصل، مع الإقرار بأن مواقف هؤلاء قد تشوش الرأي العام، ولو في الحد الأدنى.

ضمير الناس أو وعيهم الجمعي هو البوصلة الحقيقية التي لا تخطئ، وهو غير قابل للتزوير بأي حال، لأنه نتاج مخزون ثقافي ليس بوسع صبيان «البروباغندا» أن يزوروه بسهولة. ولو كان غير ذلك لتأله الحكام بدل أن يُشتم أكثرهم من قبل الناس في كل مناسبة.