العودة ومأزق إسرائيل

نشر 17 مايو 2011 | 05:56

منذ العام 1948 يطالب اللاجئون الفلسطينيون بعودتهم إلى ديارهم التي طردهم الاحتلال الصهيوني منها وتعويضهم عن تلك السنوات، مرت قضيتهم بمحطات مختلفة ومنها حصولهم على القرار (194) الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في تاريخ 11-12-1948 والذي يقضي بأن الجمعية العامة تقرر "وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى بيوتهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم، وعن كل مفقود أو مصاب بضرر..."، صدر قرار الأمم المتحدة ولكنه لم يجد له صدىً أو من يستطيع تطبيقه في مواجهة (إسرائيل)، ومرت هذه القضية بمحطات مختلفة بين المفاوض الفلسطيني والصهيوني، فتارة العدو يراوغ وأخرى يصرح المفاوض الفلسطيني بالتنازل والموافقة على مبادرات للتفريط.

 

ما غاب حق وراءه مُطالب، ولذلك مضى الفلسطينيون للبحث عن حقوقهم في مختلف المحافل، وأمام ضغطهم قررت الأمم المتحدة في قرارها الذي حمل رقم (2649) والصادر في 30-11-1970 "إدانة إنكار حق تقرير المصير خصوصاً لشعوب جنوب إفريقيا وفلسطين"، واعترفت الجمعية العامة بقرارها رقم (2672) لشعب فلسطين (وليس للاجئين الفلسطينيين) بحق تقرير المصير، وطلبت مرة أخرى من ( إسرائيل) اتخاذ خطوات فورية لإعادة المشرّدين، وقد ورد بوضوح في القسم (ج) من هذا القرار:

  • تعترف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير المصير وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. 2- وتعلن أن الاحترام التام للحقوق الثابتة لشعب فلسطين هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط".
  •  

إذن، فحق العودة للاجئين الفلسطينيين هو حق قانوني وسياسي وليس مجرد حق إنساني أو أخلاقي.

في كل عام يفتح اللاجئون الفلسطينيون قاموس عودتهم، يبحثوا عن ديار كانت هناك وأملاك كانت في أيديهم، لم يتبقَ لديهم منها إلا مفتاحا أكل معظمه الصدأ لطول سنين انتظار، أو "كوشان الدار والبيارة"، ولكن الأهم من هذا وذاك فقد حفر الفلسطينيون معالم تلك الديار بأدق تفاصيلها في ذاكرة جيل يعرف جيدا خارطة الطريق إلى الدار والسبيل إليها، فلا مجال للخوف بعد اليوم.

الجيل الفلسطيني الجديد بات يعرف جيدا كيف يتعامل مع العدو الذي اغتصب أرضه لسنوات، فقرر أن تكون فعاليات عودته هذا العام 2011م مختلفة عما مضى، فلا يكفي الدموع أو تذكر الآلام والمآسي، وإلى فلسطين وجه الشباب بوصلته، انطلق إليها من كل مكان، في غزة والضفة ومن مخيمات اللجوء في سوريا ولبنان، وحاصر سفارة الاحتلال في القاهرة.

 

زحف بشري وحصار مرعب

لأول مرة في تاريخه، يجد العدو الصهيوني نفسه أمام حدث لم يُعد له جيدا، ففي كل مرة كان يُجري التدريبات التي ينفق عليها الملايين لمواجهة عدة جبهات عسكرية قد تهاجمه، فتدريباته على أحداث عسكرية وليست مدنية، وفي العام 2011 جاءته رياح العودة بما لا يشتهي، فالشباب قرر دخول أرضه "وحقق ما يريد في مجدل شمس وغيرها" ولم يخش الموت الذي اعتاد على صناعته العدو الصهيوني وأخذت قواته توزعه بالطريقة التي تراها مناسبة بالرصاص الحي أو الغاز السام أو غيره.

 

وإن كان العدو الصهيوني استخدم قوته المفرطة بحق الشباب المطالب بأرضه ودياره المسلوبة وقتل وأصاب منهم المئات في فلسطين أو محيطها، إلا أنه بدا عاجزا أمام مواجهة من نوع آخر، وتمثل عجزه من خلال التأكيدات التالية:

 

1- رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو "رأس الكيان" يظهر عليه التوتر والإرباك للمرة الثانية خلال أسابيع، فبعد خطأه وخروجه بالصورة التي كانت تعليقا على المصالحة الفلسطينية، أخطأ للمرة الثانية في تعليقه على أحداث النكبة، فقد بدا في مؤتمره تعليقا على هذا الحدث الكبير متوترا وخائفا، ونطق بمؤتمر صحفي مقتضب قال فيه "إني آسف لإقدام العرب على تحويل يوم استقلال ( إسرائيل) لمناسبة يقرعون فيها طبول الحرب، وإن تظاهرات الأحد دليل على أن المعركة هي على وجود ( إسرائيل)، وليس فقط من أجل حدود 67". نتنياهو خرج ليطمئن شعبه ولكنه منح مكافأة كبيرة للفلسطينيين، فتصريحه هذا بالتأكيد أربك جمهوره، ولتوتر المسئول كما هو معروف تداعيات سلبية على جمهوره.

 

2- المحلل السياسي في صحيفة هآرتس العبرية آلوف بن قال "إن ما حدث بمثابة أمر جديد لم يمر على ( إسرائيل) من قبل، والثورات العربية دقت باب ( إسرائيل) لأول مرة منذ 63 عاما"، فطوبى لشعب فلسطين الذي بات يقرع طبول العودة بإستراتيجية صائبة.

 

3- مصادر أمنية في وزارة الإرهاب الصهيونية وفي تحقيقها المبدئي عما حدث في مسيرات العودة خرجت لتؤكد أن هذه المسيرات ستتواصل نحو حدود الكيان، معللة ذلك بأن العالم العربي يعتبر ما حدث نجاحاً كبيراً من جانب، وفشلا كبيرا للجيش "الذي كان لا يُقهر" بمنع المتظاهرين من اجتياز الحدود في هضبة الجولان، مشددة على أن هذا الأمر سيشجع المتظاهرين بالاستمرار في محاولات جديدة لاختراق الحدود.

 

4- نجاح المتظاهرين في الوصول إلى داخل الكيان، جعل قادة جهاز الاستخبارات الصهيوني وضباط ما يسمى بالمنطقة الشمالية يتبادلان اللوم بسبب فشل أجهزتهم الإستخبارية الذريع في توقع نجاح المتظاهرين في اختراق السياج الحدودي.

 

5- وفشل آخر أكده رئيس الأركان الصهيوني والوزير السابق موشيه يعلون من حزب الليكود، فقد قال معلقا على ما جرى "إن ما حدث يدل على أن ( إسرائيل) لا زالت تدافع عن وجودها"، مطالبا بالتحقيق في كيفية اختراق الفلسطينيين للحدود في " مجدل شمس"، موضحا في ذات الوقت أن معلومات استخبارية وردت عن محاولات للاختراق ولم يكن هناك استعدادا كافيا لها!!.

 

6- مشهد آخر لحالة الإرباك التي عاشها قادة الاحتلال تمثلت في مطالبة عضو الكنيست "موشيه متالون" قوات الجيش باستخدام كل ما لديها من قوة لردع المتظاهرين الذين يحاولون التسلل عبر الحدود إلى فلسطين المحتلة، وعلل ضرورة استخدام أسلوب القوة بقوله "إن التعامل مع عشرات الأشخاص بشكل من الضعف والعجز من شأنه أن يجر آلاف وعشرات الآلاف في المرة القادمة".

 

7- أما عضو الكنيست من الاتحاد الوطني "ميخائيل بن آري" فقد أشاد باستخدام الجيش للقوة في صد المتظاهرين المدنيين، وقال "يجب أن يمنح الجيش الإسرائيلي كل احترام وتقدير بسبب استخدامه القوة ضد المتظاهرين, فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون حدود ( إسرائيل) مستباحة"، بل إنه ذهب لأبعد من ذلك بقوله "يتوجب على جنود الجيش أن يطلقوا النار بكثافة على المتظاهرين, وأن يعلموا أن أي تصرف غير ذلك من شأنه أن يجر مظاهرات مليونية مستقبلا".

8- وقمة فشل الاحتلال في مواجهة هؤلاء المتظاهرين هو ما صرح به أبرز القيادات العسكرية الصهيونية، فقد اعترف أيهود باراك وزير الإرهاب الصهيوني في مقابلة مع القناة الصهيونية الثانية باستحالة صد قواته لأي زحف قادم، وقال "لا يمكن أن يكون هناك عدد كاف للقوات ( على الحدود)، هناك مساحة مفتوحة، الناس ينتشرون على طول الحدود، ويبدأون بخرق الجدار أو تفكيكه بأماكن معينة، وفي مكان ما في وقت ما سيفككون الجدار ويدخلون".

 

من خلال ما تقدم، يتضح جيدا الحالة التي يعيشها الكيان الصهيوني خاصة في ظل أمواج التغيير العربية التي تلاطم بعضها بعضا تقطع العواصم من واحدة لأخرى وتزيح كل ما يقف في طريقها من طغاة جثموا على صدور الشعوب، وليس الكيان الصهيوني بعيدا عن هذه الأمواج، فهي لا أقول توشك بالوصول إليه، بل إنها وصلت مقدماتها بالفعل، ومن تنفس من المتظاهرين عطر ليمون فلسطين وهوائها العليل لا بد وأن يعود مرة مقبلة وقريبة، ولن يكون ذلك كما كان، فقد نجحت التجربة لآلاف المتظاهرين، والآلاف سيسحبون معهم الملايين، ولو كنت أقف في مكان اليهود حاليا وأسكن (إسرائيل) وهذا مستحيل "ولكنها فرضية" فكنت وأنا أرى ارتباك القيادة ووصول الفلسطينيين إلى ديارهم لا أجد أفضل من ركوب أول طائرة والرجوع إلى المكان الذي جئت منه، فاليوم يستطيع الصهاينة المغتصبون الرحيل، ولكن إذا ما وصل إليهم اللاجئون الفلسطينيون "وذلك قريبا" فلن يسمحوا حينها بخروجهم من هذه الديار، فالثأر كبير وعظيم معهم، وكشف الحساب سيدفعونه قريبا.