الحديث عن الدجل السياسي وسياسة الدجل حديث طويل.. وحكايتنا معه حكاية طويلة. عمرها عمر السياسة العربية، منذ بدأت دولة الاستقلال (بالقاف غير السودانية)، أو مرحلة ما بعد الاستعمار التي يقول عنها مالك بن نبي إنها أسوأ مراحل الاستعمار، ويصفها بالعفن في كتابه المهم: «العفن» وكنت عرفت به قبل فترة. ومن أسوأ الدجل وأبشعه التجارة بفلسطين وقضيتها، في الوقت الذي يدعي الكل أنه يعمل على تحريرها، وهي لا على البال ولا على الخاطر (ونحن في ذكرى ضياعها).
ومن الدجل البئيس والتعيس والخسيس حكاية المندسين المناجيس المناحيس. كلما تحرك الشعب للمطالبة بحقه عاجلوه بهذه الفرية الكاذبة «والدّجْلة» المفضوحة. وما من مندس إلا من دسوه. وما من بلطجي إلا من عينوه وبلطجوه، ولا من شبيح إلا من شبّحوه.
ومن الدجل أن يوجد أو يعين في كل بلد عربي مجلساً أو دكاناً لحقوق الإنسان. وهم يعلمون أن حقوق الإنسان في عالم العربان في خبر كان. وعمره ما كان. ومن الدجل والتدجيل وأبطل الأباطيل حكاية الديموقراطية التي تمارس فينا جيلاً بعد جيل، ولم تضرب جذراً في الأرض، ولم تستوطن بعد. بل بقيت هجيناً غريبة الوجه واليد واللسان.. والديموقراطية إلى الآن ما بتتكلم عربي. والآن إلى لسان العربي «ولسان العرب»:
قال في اللسان: «وكل شيء موهته بماء الذهب وغيره فقد دجّلته. والدجال: الذهب. وقيل: ماء الذهب. قال ابن منظور: وهو (أي الدجال) اسم كالقذّاف والجبّان. (سبحان الله من أين عرف ابن منظور أن القذافي هو الدجال أو مقدمة الدجال أو بروفة الدجال أو بين يدي الدجال أو مساعد الدجال أو إرهاص الدجال..؟ فعلاً إنها من الموافقات والتوافيق، والرمية التي تصيب من غير تهديف ولا نيشان.. «ضربة نيسان!» وهو مع شدة بطشه أي القذاف جبان. وليس من أخلاق الشجعان ولا الفرسان ما صنعت اليدان الخاطئتان من قصف وحشي على العزّل الآمنين القاطنين في دورهم باطمئنان، وقاتل الله كل قذّاف دجال في الظهور طعان.. وسينتهي أمره بخسران. والآن نعود إلى اللسان.. والعود أحمد ومحمود وحمدان).
قال في اللسان: «ودجّل الشيء بالذهب». (وهذه أيضاً من الموافقات. فالقذاف –ما غيره- يشتري المرتزقة والسلاح بذهبه (أقصد ذهبُ الشعب والذي ذهب مع الريح الذهب لا الشعب. فالشعب باق.. رغم الجراح والتباريح) قلنا يدفع الذهب لضرب شعبه ويموه على الناس أنه ثائر وثوري وثور وأبو الثوار وأبو الأثوار ورمز الثورة ومجد الثورة وهو الثورة وأنه ذو القرنين في زمانه، وعميد كل عميل، وأنه أبو الطريق الثالث والنظرية العظيمة في تثوير الشعوب والجماهير وحكمها نفسها بنفسها، بلا قيادة ولا رأس ولا رئيس ولا زعامة والويل لمن يصدق، فهذه النظرية الثورية، ثورة في النظريات السياسية وحكم الجماهير للجماهيرية بالطريقة المباشرة واللجان الشعبية ومن صدّق القذاف قصفه بالجراد (أعني الصواريخ)، وهو الزعيم الأوحل (أعني الأوحد) مع أنه ليس زعيماً. ولو كان زعيماً لاستقال ولكنه قائد ثورة. والثوار لا وألف لا ومليون لا يستقيلون من الثورة. هل فهمتم سر التمسك؟ إنه ليس الحرص على الكرسي وحلبه وجلبه للمال، كما سولت لكم أنفسكم وظننتم ظن السوء بالقذافي. ولولا الثورة وخشية أن تسقط رايتها لاستراح القذافي وأراح وأقام في كان أو نيس أو ميلان يشرب الراح مع الحسان والملاح، «ولا كان اللي كان» يا صاح!) وعود إلى اللسان قبل أن يدرك شهرزاد الصباح:
«في التهذيب: يقال لماء الذهب دجال، وبه شبه الدجال لأنه يظهر خلاف ما يضمر (كالذي سمعته عن الثورة ونظرياتها من الحقيد، مع أن الحقيد دجال بلا ذهب ينفقه على شعبه، وإنما ينفقه لتدمير شعبه! وعجبي من ذهاب ذهبي! ولو عقل لاشترى ود شعبه بإنفاق ذهبه أي ذهب الشعب للشعب فلأراح واستراح. وما قامت ثورة ولا يحزنون!)
قال أبو العباس (مش محمود عباس): سمي الدجال (هذا دجال آخر واللسان لا يكرر نفسه.. أظن واضح أن اللسان يحتاج إلى تهذيب!) المهم قال أبو العباس: سمي الدجال دجالاً لضربه في الأرض وقطعه أكثر نواحيها، ويقال: قد دَجَل الرجل إذا فعل ذلك. (هل تذكرون كيف كانت القيادة الفلسطينية تقود الثورة والحركة من قمرة الطائرة؟ ثم حصرت في المقاطعة. وهذا ما جرى لعباس بعد الأسلاف).
وقال مرة أخرى: سمي دجالاً لتمويهه على الناس وتلبيسه وتزيينه الباطل. يقال: قد دجل إذا موه ولبس». ونكتفي من اللسان بهذا المقدار.. ونختم تعليقاتنا ببعض الجمل القصار.. وباختصار:
والتعليق الأول أن المقال كتب مع بقية الحلقات السابقة في شهر نيسان قبل أن تجري المصالحة، وأحببت أن أتركه كما هو اعتماداً على سعة صدر محمود عباس. أو اعتماداً على احتمال نقضه الاتفاق مع حماس من الأساس.. فتركناه على هذا الأساس.
وأما التعليق الثاني. فعلى تسمية الذهب بالدجال. وهذا من استعارات العرب وبلاغتهم وبلاغة لغتهم، وبيانهم الراقي.. وتشبيهاتهم وكناياتهم ومجازاتهم وبديعهم وروائعهم ورفيع تعبيراتهم، وإلا كيف استحقوا أن ينزل فيهم القرآن، والقرآن معجزة بيانية أو معجز في البيان، بالدرجة الأولى.. وفي كل شيء طبعاً..
نعود إلى الذهب. وكيف سمي الدجال؟ هو أولاً لا يخفي حقيقته أنه «ذهبَ» و»ذاهب» ومع هذا اتخذه الناس «مذهباً» بل معبوداً من دون الله.. كما اتخذوا الدجال معبوداً من دون الله. والشعر الركيك غير الرقيق الذي يحفظه الجميع:
أرى الناس قد ذهبوا إلى من عنده الذهب.
الخ.. من ذهبوا.
هذا وجه من أوجه الشبه. ووجه آخر أن الذهب يتخذ لطلاء الساعات بقشرة لا تكاد تبين ومع هذا يرفع قيمتها، وطلاء بعض المعادن الخسيسة فيجعلها نفيسة، فهو دجال من هذه الناحية أيضاً.. أقصد من ناحية الطلاء كالقطران الذي تكلمنا عنه في أول حلقة.
قال الزبيدي في تاج العروس (أوفى قاموس) قال: «دجل: دجيل ودجالة. كزبير وثُمامة: القطران. كما في المحكَم. (لابن سيده) ودجل البعير به: طلاه به، أو عم جسمه بالهِناء. (السوداني يقل لك: الهناي يا زول) وفي التهذيب: الدجل: شدة طلي الجرب بالقطران. وإذا هُنيء جسد البعير أجمع، فذلك التدجيل، وهو قول أبي عبيد. (كأنه لا يسمى دجلاً ولا تدجيلاً إلا إذا كان عاماً طاماً شاملاً يشمل البلاد والعباد والكبار والأولاد والأجداد والأحفاد والصالحين والأوغاد!)
قال التاج: ومنه اشتقاق الدجال المسيح الكذاب، لأنه يعم الأرض، كما أن الهناء يعم الجسد.
أو هو من دَجَل دَجَلاً: إذا كذب وأخرقَ لأنه يدعي الربوبية وهذا من أعظم الكذب.
وقيل: هو من دَجَل الرجل: إذا قطع نواحي الأرض سيراً. (أعتقد أن هذا المعنى حاصل من كلمة المسيح لأنه يمسح الأرض كالمساح!) أو هو من دجل تدجيلاً: إذا غطى لأنه يغطي على الناس بكفره (وهو يغطي كفره. ولا تنس أيضاً أن عينه مطموسة مطفأة مغطاة!) أو لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه، أو لأنه يدجُل الحق (يلبسه) بالباطل. (هل لاحظتم أناقة ترتيب «تاج العروس»؟ فعلاً إنه تاج العروس. مزين مصفوف مصنف مصفف مرصف مرصع مرتب!)
أو من (دَجَلَ): «إذا طلى بالذهب». وكل شيء موهته بماء الذهب، فقد دجّلته، سمي به لتمويهه على الناس بالباطل وتلبيسه، أو لأنه يظهر خلاف ما يضمر.
أو هو من «الدّجال» كغراب (أي على وزنه) للذهب أو مائه. قال الزبيدي: هكذا ضبطه الصاغاني، والصواب أن الدجال بمعنى الذهب كشداد.
قال ابن سيده: هو اسم كالقذاف والجبّان.
ثم سرد عدة وجوه أخر ولا نريد أن نطيل، ثم قال الزبيدي: وقد سرد المصنف هذه الأوجه كلها. (يقصد بالمصنف ابن سِيَده) وأصحها وأحسنها من قال: إن الدجال هو الكذاب، وإنما دجله سحره وكذبه وافتراؤه، وستره الحق بكذبه، وإظهاره خلاف ما يضمر. ونكتفي بهذا القدر من التاج. وإن كان بقي فيه بمقدار ما نقلناه عنه.
وأختم هذه الحلقة بغَرفة أو قَطفة أو مقتطف من كتاب «اليد واللسان»، بمناسبة لسان العرب والنقل عنه، قال في المقدمة نقلاً عن عبد العزيز التويجري، يقص عن مرحلة الفوضى بعد سقوط الدولة السعودية الثانية. أن رجلاً كان عنده شيء من العلم حاول أن يؤرخ لما يدور ويجري وما يمر بالبلاد، فقطع الوالي يده كي يمنعه من الكتابة. ثم ذكر قصة عبد يغوث الحارثي وكان رأس قومه وشاعرهم، ووقع مرة في الأسر، وخاف آسروه من قصائده، فما كان منهم إلا أن ربطوا لسانه بنسعة نعل. وقصة هذه الحادثة مروية في قصيدته الشهيرة ومطلعها:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا.
ومنها البيت:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة
أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
ثم قال صاحب الكتاب: تخاف الثقافات من اليد واللسان إذا تعلما كسر السر. وقد حذر خال طرفة طرفة من لسانه فقال: ويل لهذا من هذا. يقصد رأسه من لسانه. ولقد كان من أمثال العرب: كل لسان إنسان»أ.هـ.
وإذا كان الخوف من يد المؤرخ دفع المسؤول إلى قطع يد المؤرخ والخوف من لسان الشاعر جعل القوم يربطون لسانه..
ولكن لو تدخل الدجل السياسي لقال إن يد المؤرخ زائدة وقد أجريت له العملية لاستئصالها مجاناً.
وأختم هذه المقالة بكلمة من مقالة لمحمد حسونة أحد قناصل مصر في باريس يتحدث فيها عن «الأرقام الفلكية للوفد المرافق للرئيس –في رحلة باريس- وكان الوفد يبلغ كل مرة أكثر من مئة وعشرين شخصاً، وكان يتعين على السفارة تسديدها لأفخم الفنادق قاطبة: «الكريون». ويقول: «وفي ظل ذلك الحكم الاستبدادي الطويل لاحظت أن معظم الزملاء الدبلوماسيين يلتزمون الحياد مع الإحجام عن اتخاذ أي موقف سياسي صريح، بل يتسابقون إلى إرسال برقيات التهاني والتأييد والمبايعة المشبعة بالإطراء والرياء» وهذه صورة من الدجل السياسي الذي ساد منطقة..