كانت فرحة شعبنا الفلسطيني بكل فئاته ومكوناته عظيمة بتوقيع اتفاق المصالحة الوطنية بالعاصمة المصرية القاهرة، وقد تنفس الناس الصعداء ببوادر إنهاء الانقسام النكد الذي استمر لبضع سنين، وأنا هنا لا أكتب لتطمئن القلوب فحسب - وان كان ذلك في حد ذاته هدفا – ولكنى أكتب محذرا من تحديات ما بعد الاتفاق والتي أتمني تذلليها والمسارعة لوأدها في مهدها.
فالمصالحة بحاجة لإرادة قوية ونية صادقة بلا شك ،كما هي بحاجة لسياسة النفس الطويل، بمعنى أنه لا ينبغي لأي طرف من الأطراف اليأس من بداية المشوار ،ولو أردنا الحديث عن التحديات التي من المتوقع أن تهدد اتفاق المصالحة فلا نبالغ لو قلنا أنها كثيرة وقد تصل لدرجة الخطورة أحياناً ،ويمكن رصدها بالمحظورات والتحديات التالية:
أولا: الاحتلال وتدخلاته.
من الملاحظ أن الاحتلال عبر عن غيظه الشديد من اللحظة الأولى للإعلان عن الاتفاق ،فقد خير نتنياهو السلطة بين السلام أو الصلح مع حماس ،ثم تبع ذلك إعلان وزير خزانته عزمه تجميد عائدات الضرائب المستحقة للسلطة برام الله ،بغية ردعها عن المضي قدما بطريق المصالحة والوفاق الوطني، كذلك يمكن أن يقوم الاحتلال بتصعيد غير مسئول ولا محسوب ،كحملة اغتيالات لقيادية فصائل وأجنحة المقاومة، وهنا يجب أن يكون ردنا علي تدخلات الاحتلال المتوقعة هذه بحكمة ولكن دون أي تنازل عن حقنا بالرد والمقاومة والثأر من المحتل ،وحماية شعبنا، والانضباط في الرد على كل خروقات العدو مع المحافظة على التوازن بين العمل السياسي والمقاومة.
ثانياً: الأجهزة الأمنية بالضفة.
العقيدة الأمنية السائدة بالضفة فاسدة بامتياز، ولم تقدم الأجهزة هناك خلال السنوات الماضية ما يدعونا للتفاؤل ،ولم تثبت أنها قريبة بشكل أو بأخر من طموحات شعبنا، فقد كانت دوما محل توجيه النقد اللاذع لها من الخبراء والمحللين والسياسيين والإعلاميين علي حد سواء لتورطها بالاعتقالات السياسية والتنسيق الأمني مع العدو، ومن الممكن أن تتورط بعض تلك الأجهزة أو أحدها بأعمال يمكن أن تهدد المصالحة وتحقيقها علي الأرض، ولتدارك ذلك يمكن استبدال القيادات الأمنية الموتورة بالضفة عاجلاً ،مما يهيئ الفرصة أكثر أمام تنفيذ بنود الاتفاق ،ولا أود الحديث مطولاً بهذا الأمر ،لأننا نعيش أجواء المصالحة والوفاق وليس من مصلحة أحد تعكير هذه الأجواء بقصد أو بغير قصد ،وعلي أي حال يجب ألا يُسمح باستمرار الاعتقال السياسية ، تحت أي حجة أو أي سبب كان، لأنه سيكون من أكبر تحديات المصالحة، ،حتى ولو قام الاحتلال باعتقال من سيفرج عنهم، فهذا متوقع بكل تأكيد، وهو أفضل من الناحية الوطنية من أن يعتقل أبناءنا بسجون فلسطينية، وخاصة بعد المصالحة.
ثالثاً: التدخلات الخارجية.
غالبا ما تعاني القضية الفلسطينية من تدخلات خارجية سواء إقليمية أو دولية ، في محاولات واضحة من الأطراف المختلفة للاستفادة من القضية لمكانتها وقدسيتها، وما أخشاه هنا من تدخلات سافرة تهدف لإبطاء عجلة المصالحة ،أو محاولة إيقافها بالكلية، ولا أغرب من موقف أمريكا حينما هددت بقطع المساعدات المالية عن السلطة، للضغط عليها وتخويفها بسنوات عجاف إن هي استمر بنهج المصالحة،علماً بأن حجم المساعدات هذه لم تبلغ أكثر من (250) مليون دولا سنويا في أحسن الظروف، وإزاء التهديدات الواقعة سابقا والمتوقعة لاحقا، فلا بد من التسلح بالإيمان بالله والثقة بقدرات شعبنا التي تؤهله لتجاوز المحنة وإثبات نفسه أمام الخصوم والأعداء، ولا يجب الرضوخ للتهديدات مها بلغت ذروتها، كما يجب علي الجميع عدم الضعف أمام التحديات المالية أو الإغراءات السياسية الخارجية،مع ضرورة البحث عن المصادر المالية الأكثر استقراراً وديمومة،بدلاً من المال السياسي المشروط.
رابعاً: النضج الفكري وتقبل الرأي الأخر.
لم يصل كثير من أبناء شعبنا لدرجة النضج السياسي والفكري الذي يحملهم علي تقبل الرأي والرأي الأخر بسعة صدر، يعود ذلك لعدة أسباب ربما أهمها أن التربية والثقافة الغالبة لدينا ليست وطنية بقدر ما هي حزبية ، ولإنجاح مسار المصالحة الوطنية والصلح المجتمعي لا بد من ثورة ثقافية علي صعيد أبناء شعبنا وبالتحديد أبناء فتح وحماس ،حتى يصبح بمقدور الواحد منهم تقبل الأخر والرأي المخالف برحابة صدر ودون حنق ولا غيض.
خامساً: الجانب العشائري والإداري.
المصالحة لها استحقاقات عديدة يجب علي الكل الفلسطيني العمل علي تنفيذها ،وأحد هذه الاستحقاقات عودة من غادروا غزة عقب الانقسام، وحينها يجب أن يُفتح باب المصالحات العائلية على مصراعيه، وفق قاعدة التسامح والتصالح والعفو عما سلف.
وكذلك عودة الموظفين إلي عملهم بالوزارات والمؤسسات الحكومية، وهذا يتطلب إجراءات إدارية حكيمة ،تنفذ وفقا لسياسة النفس الطويل وبالتدريج ،حتى لا يصبح هناك تكدس وظيفي ،كما أن هذا الأمر يتوقف علي مدي استيعاب وتقبُل من هم بالوظيفة العمومية لبعضهم البعض ،وإمكانية التعاون معا بما يخدم المصلحة العامة، دون الالتفات لأجندات خارجية غير وظيفية.
إن التغلب على كل التحديات سابقة الذكر رغم صعوبتها ليس بالأمر المستحيل ،إذا توفرت الإرادة القوية ،والنية الصادقة، والهمة العالية، والتنفيذ الأمين لبنود الاتفاق، والتعاون الحقيقي بين الأطراف المعنية ،وإذا تم تغليب المصلحة العامة علي الحزبية والخاصة فإننا سنشهد حتماً ولادة التوافق علي الأرض، وتشكيل حكومة جديدة أتمني أن تهيأ لها ظروف وأسباب النجاح.