مخاوف مشروعة

نشر 07 مايو 2011 | 11:11

ما زالت المصالحة الفلسطينية تسبح في منطقة انعدام الجاذبية، وهي بحاجة إلى تثبيت على أرض الواقع، وهذا التثبيت بحاجة إلى خطوات كثيرة تجد آثاراً لها على الأرض، لأنه لا يكفي التوقيع ولا تكفي التصريحات المنمقة ولا تكفي الأمنيات، ولكن أنا وأنت وهو وهي بحاجة أن نلمس أمرا يعطينا أملاً على أملنا أن هذه المصالحة ستجد طريقها وتحقق المراد منها.

 

ندرك أن العقبات كثيرة وواضعوها أكثر، ولكن بالقليل من الخطوات الأولية يمكن أن نتجاوز هذه العقبات ونتجاوز من لا يريدون لهذا المصالحة أن تمضي، لأنها ضد مصالحهم الخاصة وأنها تشكل ضررا كبيرا عليهم كما الضرر الواقع على (إسرائيل) والمشروع الأمريكي في المنطقة.

 

ولعل أول خطوة في هذا الموضوع هو إزالة آثار الانقسام، واخطر ما في هذه الآثار هو إنهاء ملف الاعتقالات السياسية، هذا الملف يجب أن يكون الخطوة الأولى التي من الواجب الديني والوطني والإنساني أن تنتهي اليوم قبل الغد، وإلا فنحن نخادع أنفسنا ونزرع مزيداً من الشكوك حول النوايا السيئة، ولعل أسوأ ما قيل في هذا الموضوع تلك التصريحات التي صدرت عن الناطق باسم الأجهزة الأمنية الذي يجب على السيد محمود عباس أن يلجمه، إلى جانب ذلك كان من المفترض أن تُوجه فور التوقيع على المصالحة التعليمات إلى الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية بالتوقف عن الملاحقة والاعتقال والاستدعاء وأن يتوقف تقديم المعتقلين إلى المحاكم؛ لأن الجميع يعلم أن كل هذا الذي يجري من اعتقال وملاحقة ومحاكمة هو باطل ولا أساس له لا في الشرع ولا في الفرع.

 

هذه القضية المتعلقة بالمعتقلين السياسيين لم تعط فيها مؤشرات إيجابية حتى كتابة هذا المقال، الأمر الذي يجعلنا نتشكك في تحقيق الاتفاق، ونقرأ من ذلك أن السيد عباس يريد فقط من هذا التوقيع أمرين لا ثالث لهما ، الأول تشكيل حكومة من مستقلين أو تكنوقراط، الهدف منها إزالة حكومة هنية التي يرى فيها عباس أنها عقبة كبيرة أمام تحقيق مشروعه، وكذلك إنهاء حكومة فياض الذي أخذ يزاحم عباس وغير مرغوب فيه من قبل حركة فتح، أما الأمر الثاني الذي يريده عباس هو الوصول إلى الانتخابات في ظل استمرار بيئة الإرهاب الفكري والاعتقالات والملاحقات وغياب الحريات حتى يتمكن من تحقيق الهدف الذي يسعى إليه وهو إخراج حماس من المشهد السياسي، وهو يريد انتخابات على غرار انتخابات مجالس الطلبة التي جرت قبل شهور في جامعات الضفة الغربية.

 

ونحن هنا نقول أمرا مهما، على حركة حماس وكافة الفصائل الفلسطينية أن يكون لها موقف واضح وصريح يؤكد على أن الخطوة الأولى بعد التوقيع وقبل تشكيل الحكومة المؤقتة هو الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإنهاء هذا الملف بشكل نهائي وإزالة كل آثاره، وإلا ستكون المصالحة في مهب الريح.

 

صحيح أن رايات حركة حماس مثلا ظهرت للعلن، أول من أمس، في نابلس وهي المرة الأولى التي ترفع فيها هذه الرايات؛ ولكن هذا أمر شكلي حتى لو رفعت رايات أخرى في كل المدن الفلسطينية، لأن الأهم هو بناء الثقة، وبناء الثقة أولى لبناته هو الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإنهاء هذا الملف.

 

وأنا هنا أدعو حركة حماس ألا تتقدم خطوة واحدة باتجاه المصالحة ما لم يتم إنهاء الملف الأمني والاعتقال السياسي، رغم إيماني المطلق أن المصالحة واجب ديني ووطني، ويجب أن تتحقق، ولكن حتى لا نخدع أنفسنا ونخدع شعبنا لابد أن يكون هناك ما يؤكد على صدق النوايا والإرادة الحقيقية من كل الأطراف لتحقيق المصالحة، وبناء مرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية الفلسطينية القائمة على الشراكة واحترام الآخر.