واشنطن والثورات العربيَّة

نشر 03 مايو 2011 | 09:29

يتردَّد الكثير من المقولات حول علاقة واشنطن بالثورات العربيَّة، كما يتردد الكثير منها حول أسباب تباين مواقفها من كل من هذه الثورات؛ لكننا يجب أن نتفق أولًا على مفهوم الثورة في هذه المقالة، وهي أنها شعور عام بالحاجة إلى الحرية السياسيَّة والتغيير، وتجديد مجرى الحياة، وإزالة معوقات هذا المجرى، وتنظيف البلاد من الفساد بكل أنواعه، أو بعبارة موجزة؛ الثورة هي هبة شعبيَّة شاملة لكل أبناء المجتمع ضد الفساد والاستبداد، وهما عادة متلازمان.

 

ورغم أن المجتمعات العربيَّة قد طوَّرت الكثير من المأثورات التي جعلت التعايش مع الفساد والاستبداد ممكنًا؛ فإن الثورة هي تمرد ورفض حتى لهذه المأثورات؛ ولكن يبدو أن الثورة كانت على نتائج المأثورات التي تراكمت عبر العصور، فكأن العودة إلى نفس المأثورات -ولو بحذر في البداية- سوف يعيد الشعوب العربيَّة إلى حالة من التشرنق الثقافي الموروث؛ مما يعطي مبررًا لثورات أخرى، وبذلك تكون هذه الثورات قد بدأت عهدًا جديدًا في التاريخ العربي، بعد أن كانت الثورات قاصرةً على المستعمر الأجنبي، وذلك نظرًا لأن الحاكم العربي صار بديلًا أسوأ من المستعمر الأجنبي.

 

وأريد أن أبدِّد وهمًا أشاعه البعض، وألحَّ عليه حتى الآن، وهو أن هذه الثورات من تدبير واشنطن، ويعتمد هذا الوهم على فرضيتين؛ الأولى: نظرية الفوضى الخلاقة التي دخلت الفكر والعمل الأمريكيين أيام كونداليزا رايس، والفرضية الثانية: هي أن هذه الثورات عقوبة للحكام الذين رفضوا منهج الإصلاح الأمريكي الذي كان كفيلًا بتجنب هذه الانفجارات، كما أن هذه الثورات تمثل تكفيرًا عن مسلك واشنطن طوال عقود منذ الحرب العالميَّة الثانية في مساندة النظم المستبدَّة ضد شعوبها ما بقيت هذه النظم خاضعةً لواشنطن وراعية لمصالحها، وهو ما عبَّرت عنه صراحة كونداليزا رايس في كلمتها الأخيرة بالجامعة الأمريكيَّة بالقاهرة أواخر عام 2008م.

 

بل إنني رأيت بعض الإعلام الأمريكي يعزو هذه الثورات إلى حملة نشر الديمقراطية التي تزعمها كولن باول، وزير الخارجية في عهد بوش، والتي سبقت مباشرة غزو العراق لتبرير هذا الغزو بأهداف تبدو نبيلة.

 

والحق كما أراه هو أن هذه الثورة هي لحظة التقاء بين إرادة الناس وإرادة الله، وعنوان على أن الملك لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء بيده الخير، وهو على كل شي قدير، بل إنني أظن أن أحدًا -بما في ذلك واشنطن- لم يتوقعْ مطلقًا هذه الثورات، بل كنا جميعًا نخشى من ثورة الجياع التي تطيح بالمجتمع، فإذا بها ثورة شعب كامل ضد جلاديه.

 

ومن الواضح أن مداخلات كثيرة من بينها أحلام الديمقراطية التي بشَّرت بها واشنطن، بصرف النظر عن مقاصدها ودوافعها؛ قد فجَّرت الثورة، فضلًا عن فجور النظام واستحكام غروره واتساع دائرة ضحاياه.

 

أما موقف واشنطن من الثورات، فأظن أن واشنطن لم تكن تتمنى أن تقوم ثورات في العالم العربي؛ لأن معظم هذه الثورات، خاصة إذا اكتمل نطاقها في كل الدول قامت ضد حكام متحالفين معها.. ففي مصر وتونس واليمن وليبيا وحتى سلطنة عمان، بل وحتى الجزائر والمغرب تقيم مع واشنطن علاقات عادية، كما تدرك واشنطن أن حركة الشارع العربي عادة معادية لواشنطن والصهاينة، وهو نفس الشارع الذي احتجَّ على غزو العراق وسياسات الاحتلال والتمزيق في العراق، كما احتجَّ على العدوان الصهيوني على لبنان عام 2006م وعلى غزة في ديسمبر 2008م ويناير 2009م، وهو الشارع الذي يدين دعم واشنطن لجلاديه من الحكام العرب، كما يدين أن يستمد الحاكم العربي شرعيته من رضا واشنطن، وليس من صناديق الانتخاب الحرَّة، ويدرك الشارع أن قمعه من جانب الحكام أمر لا تنكره واشنطن بالفعل، وإن أنكرته بمجرد القول واللسان؛ لأن ما يقمع الشعب من أجله هو مساندته للقضايا العربيَّة والإسلاميَّة العادلة التي تقف فيها واشنطن وإسرائيل موقف الفاعل الظالم.

 

نفس الشارع ينظر بشك عميق تجاه ما يراه من مناورات لإفراغ الثورات من مضمونها والتحكم في خواتيمها، أي في النظم السياسيَّة البديلة التي تنشأ عنها؛ بحيث لا تكون بعيدةً كل البعد عن سنة السلف الصالح لواشنطن التي أطاحت بها الثورة.

 

وقد التزمت واشنطن موقفًا نمطيًّا من الثورات العربيَّة، قوامه رفض استخدام القوة ضد المظاهرات السلميَّة، واتخاذ عدد من العقوبات ضد بعض الحكام، وطالبت أحيانًا برحيل بعضهم.

 

ولا شك أن موقف واشنطن قد اختلف من ثورة لأخرى.. ففي سوريا، كانت واشنطن قد يئست من احتواء النظام أو تغييره؛ حيث صمد النظام أمام مطالب واشنطن، وهي التخلي عن حماس وحزب الله، وعن العلاقات مع إيران، مقابل اتفاق سلام مع إسرائيل يتم بموجبه تسوية قضية الجولان وفق المطالب الإسرائيليَّة.. وقد قُدِّمت هذه المطالب عدة مرات، ولذلك لا بد أن تكون واشنطن قد سعدت بثورة سوريا، وأسعدها أكثر تورُّط الجيش السوري الذي انشغل عن الاستعداد لإسرائيل بهذه المواجهات وإراقة الدماء؛ ولذلك أعتقد أن للشعب السوري مطالب مشروعة تمَّ التجاوب معها؛ ولكن الساحة السورية عرضة للمؤامرات ضد النظام.

 

هذا الموقف الأمريكي والإدارة الإسرائيليَّة لمقدرات الثورة في سوريا، تشير إلى أن انهيار النظام قد يؤدي إلى قيام نظام بديل يتفهم مطالب واشنطن وغير متعاطف مع المقاومة في لبنان وفلسطين والعلاقة مع إيران، وكلها أبعاد استراتيجيَّة في مصلحة سوريا؛ ولكن الثورة عادة تطمح إلى إقامة نظام متحرر من سطوة الحاكم، ومن تحالفاته مع الغرب الذي يسانده، ومن المعلوم أن نظام دمشق يتمتع بمنحى وطني وقومي واضح؛ ولكنه مثل معظم النظم العربيَّة بحاجة إلى الانفتاح على شعبه ومقاومة الفساد، فلا يستوي نظام متواطئ مع إسرائيل كنظام مبارك حتى ضد المصالح المصريَّة، ونظام يعادي إسرائيل لأسباب عمليَّة وقومية ويحتضن المقاومة؛ فكيف تحل واشنطن معضلة النظام القادم في سوريا؟ أمامها خياران:

 

الأول: استمرار توريط النظام دون إسقاطه، والضغط بنفس المطالب السابقة، وبذلك يكون الإبقاء على النظام له ثمن، وهو تخلي النظام عن مواقفه السابقة، فإذا أصرَّ كما كان في السابق، استمر مخطط إسقاطه.

 

الخيار الثاني: هو ترك الثوار يعانون -كما في ليبيا- أكبر قدر من الخسائر، حتى يستنجدوا بواشنطن، فتملي عليهم النظام والاتجاه الذي تريده.. وواضح أن لسوريا مكانة خاصة جدًّا في الاستراتيجيَّة الأمريكيَّة؛ لأن زوال نظام الأسد يحقِّق كل أهداف المشروع الأمريكي دفعةً واحدة في فلسطين ولبنان، ويحاصر الثورة في مصر.

 

ولا يخفى أن سيناريو واشنطن في ليبيا يأخذ في حسبانه مستقبل الأوضاع في مصر.. إن أخشى ما تخشاه واشنطن أن يتواصل الشارع العربي، عبر كل الوطن العربي، وأن تظهر قيادات عربيَّة تصل ما انقطع بين دوله؛ مما يمثِّل أكبر تهديد للمشروع الصهيوني الأمريكي.

 

ولذلك تستخدم واشنطن إزاء الثورات العربية استراتيجية واضحة؛ وهي عدم تحقق هدف التواصل والديمقراطية الكاملة والاستقلال.. وإحدى أدوات واشنطن في عرقلة انسياب الثورة إلى نظام مستقل وديمقراطي ما نشهده من ضغوط على مصر في كل الاتجاهات؛ حتى تشعر الشعب المصري بأنه يدفع ثمنًا غاليًا لتحرره من الطاغية حليف واشنطن، ومن اتجاه جماهير الثورة نحو ديمقراطية وتنمية واستقلال.

 

ولعلَّنا لاحظنا أن واشنطن لا تعنيها ثورة اليمن، ولكن لها يد في وساطة مجلس التعاون؛ حتى لا تنتهي الثورة إلى نظام ثوري، يعادي كل التدخلات الأجنبيَّة، كما أن انتقال السلطة دون محاكمة الرئيس هي الحد الأدنى من الجائزة التي تقدِّمها واشنطن لرئيس قدَّم لها خدمات سابقة.

 

أما في البحرين، فإن المسألة نُظر إليها في سياق الصراع الإيراني الأمريكي، ثم تحوَّلت إلى خلاف شيعي سني، فطغى هذا المشهد على مشهد المطالب السلمية المشروعة، خاصة مع التدخل العسكري الخليجي، ودخول إيران والعراق وحزب الله بشدة على الخط؛ مما كشف البعد الشيعي أكثر من وضوح الجانب السياسي والاجتماعي.

 

لا تزال ليبيا في سيناريو واشنطن غير جاهزة للتقسيم، أو انتصار الثورة أو حسم القذافي لها، ولا تزال سوريا تمرُّ بنفس المخطط، وأن المزيد من إراقة الدماء يسرع بها الخطى إلى المخطط الأمريكي؛ فهل يدرك السوريون ذلك خاصة أنه من الواضح أن الثورة تختلط فيها المطالب العادلة مع ظلال المؤامرة، فليس كل المطالب عادلة، وليست كل الأهداف مؤامرة؟!

 

الوضع في سوريا يمثل أكبر خطر على مستقبل هذه المنطقة، وبالتأكيد فإن غرف العمليات الصهيونيَّة والأمريكيَّة تعمل على مدار الساعة من أجل سوريا، جائزتهم الكبرى.