خذوا مساعداتكم واتركونا

نشر 03 مايو 2011 | 09:27

فور الإعلان عن اقتراب موعد توقيع المصالحة تسارعت ردود الفعل المختلفة من أعداء الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، حيث بادر "رئيس وزراء إسرائيل" لتخيير رئاسة السلطة بين عملية السلام – الميتة عمليا- أو الصلح مع حماس، بالإضافة لقرار وزير ماليته بإلغاء وتجميد تحويل عائدات الضرائب للسلطة، ليعبرا بذلك عن مدى قلق الاحتلال الإسرائيلي وتخوفه من المصالحة الفلسطينية، في حين هددت أمريكا بقطع مساعداتها المالية عن السلطة كخطوة أولى، إذا هي مضت بطريق المصالحة حتى نهايته، وبغض النظر عن أسباب ومسببات السرعة الدراماتيكية التي قربت المصالحة إلا أن السواد الأعظم من شعبنا ومثقفيه يباركونها، ويتمنون استمرار الجهود المبذولة حتى النهاية وسلامة التطبيق على الأرض.

 

وإنني هنا أتساءل عن سر وقاحة الولايات المتحدة الأمريكية مع شعوبنا العربية والإسلامية وقضايانا المختلفة، على الرغم من المبالغ الهائلة التي تودعها الجهات الرسمية والشخصيات والمؤسسات العربية ببنوكها ومؤسساتها المصرفية، وما يترتب على ذلك من فوائد سياسية ،وهيمنة، وسيطرة، ونفوذ، وأرباح مالية تجنيها أمريكا، إلا أنها لا تخجل من تهديدنا بقطع المساعدات المالية الموردة للسلطة، التي تبلغ في أقصاها (250) مليون دولا سنويا.

 

الإجابة أن أمريكا تعتقد بأنها قد فقأت أعين البعض بتلك المساعدات، وبالتالي أعمت أبصارهم فما عادوا يرون الحق ولا الحقيقة، سوى ما ترسمه وتخطه لهم بيدها القبيحة وقلمها الأسود وساستها الناقمين علينا، والطامعين بثروات وخيرات امتنا وأوطاننا.

 

ولعله من المفيد هنا أن نذكر أن أمريكا لا تمنح ولا تدعم موازنة الحكومة بغزة التي بلغت (629) مليون دولار للعام الحالي (2011) ولو بدولار أمريكي واحد، الأمر الذي حرر القرار الفلسطيني بغزة من الهيمنة والسطوة الأمريكية، وبالتالي لم تجد أمريكا طريقة لتخويف أو تهديد حماس من الاستمرار بالمصالحة، كما فعلت مع السلطة بالضفة لممارسة الضغوط عليها بغية إفشال التوجهات الجديدة نحو التصالح مع غزة، وإزاء هذه الضغوط وتلك التهديدات الأمريكية والصهيونية، فإنني أقترح على السلطة برام الله أن تدرس- وبشكل جدي- أو على الأقل أن تناور وتلوح بسحب اعترافها بالكيان، والإعلان عن عدم حقه بالوجود على أرضنا، وأن تبادر بالقول الصريح لأمريكا بأن قرارنا سيكون لصالح المصالحة وليس لصالح مساعداتكم حال تخييرنا بين الأمرين، وأننا لسنا بحاجة لأموال سياسية مشروطة، نأخذها اليوم ثم نُجبر لدفع أضعافها ثمنا سياسيا غدا.

 

يجب على كل العقلاء والسياسيين أن يتيقنوا بأن أمريكا ليست قدرنا، ولن ترسم لنا القدر ولا تفرض علينا القضاء بالتأكيد، وأنها لا تمُنّ علينا بأموالها ومساعداتها، التي هي بالأساس لا تعدو عن كونها فوائد بنكية عن الأموال العربية المستثمرة والمودعة ببنوكها ومصارفها، ولنا الحق بالحصول على جزء منها، بجانب ضرورة بحثنا عن بدائل أكثر استمرارية، وعلى كل مخلص ووطني شريف ألا يعبأ بتهديداتهم مهما بلغت درجتها، بل عليه أن يسير قدما بطريق المصالحة حتى تحقيق الوفاق الوطني، وإعادة اللحمة والوحدة لشقي الوطن، يجب أن نستمر بالمصالحة لنحمي نسيجنا المجتمعي، ونحافظ على الهيبة لقرارنا الوطني والسياسي داخليا وخارجيا، وعلى قادة فصائلنا أن يعلموا جيدا أن شعبنا باستطاعته أن يحتمل ما لا يحتمله أحد ، بل ويستطيع شعبنا أن يتدبر أموره المالية دون المساعدات والمال السياسي، وبمقدوره أن يصبر على سياسات العدو وقهره، بيد أنه لم يعد يطيق متاعب الانقسام، وتداعياته المريرة من الناحية التكتيكية وعلى المشروع الوطني استراتيجيا.