تمثل عائلة بكر نموذجاً للعائلات المضطهدة والمقهورة من قبل الكيان الصهيوني والسلطة، فثلاثة إخوة يقبعون في سجون الاحتلال؛ اثنان منهم محكومان مدى الحياة ومعتقلان منذ خمسة عشر عاماً، بالإضافة إلى زوجة أحدهما "نيللي الصفدي" المتواجدة في سجن هشارون والمحكوم عليها عشرون شهراً، ومن قبل اعتقلت والدتهم 67 عاماً من أجل الضغط عليهم خلال التحقيق كما ذكر مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان، ولم يكتف الاحتلال باعتقال الأشقاء الأربعة فقد اعتقلوا ابن شقيقتهم أسيد سلامة للضغط عليهم وأخذ معلومات جديدة.
أما الأسير الرابع من الإخوة فهو بكر سعيد(48 عاماً) أفرجت عنه مصلحة السجون الصهيونية بعد اعتقال إداري استمر لمدة ثلاثة أعوام متواصلة، وقبل هذا الاعتقال كان جهاز المخابرات قد اختطفه عام 2008 لثلاثة أشهر وفور الإفراج عنه اعتقله الاحتلال!! كما تم اعتقال ابنه سعيد (21) عاما على يد الجيش الصهيوني مرتين وهو الآن موقوف بانتظار المحاكمة.
فرحة بكر لم تطل كثيراً، فبعد ثلاثة أيام من خروجه طرقت الأجهزة الأمنية بابه من جديد وهذه المرة كان الضباط والجنود يتحدثون باللغة العربية، ويضعون على أكتافهم العلم الفلسطيني... نحتاجك لساعات وسترجع.. ولم يرجع بكر بعد.
نجله سعيد كان ضيفاً دائماً عند الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي لم تكتف بتغييب الأب والجدة وأعمامه الثلاثة وزوجة عمه، ففي آخر مرة خرج فيها من زنازين الوقائي والمخابرات.. كان ضباط "شلومو" بانتظاره ليقتادوه إلى معسكرات التوقيف بانتظار المحاكمة.
هي إذن سياسة الباب الدوّار وفلسفة التنسيق الأمني بين جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية الفلسطينية التي وقفت عائقاً أمام المصالحة الفلسطينية، ورفض قادتها جهود إنهاء الانقسام حفاظاً على مصالحهم وخوفاً من إجراءات ضدهم.
لقد شكلت قضية المعتقلين السياسيين في الفترة الماضية عائقاً كبيراً أمام إتمام المصالحة وإنهاء الانقسام، فكانت حركة حماس تشترط إنهاء هذا الملف والإفراج الفوري عن أبنائها بينما تنفي فتح وجود معتقلين سياسيين لديها متذرعة بالقول إن هذا الملف واحد من ملفات عديدة تنتهي بانتهاء الانقسام رافضة القبول باشتراطات مسبقة وهي تدرك جيداً أن الزنازين مليئة بالمعتقلين خاصة من الأسرى المحررين وقد مثُل الأسير المحرر بكر بلال نموذجا منهم.
إن ملف المعتقلين السياسيين في سجون فتح سيشكل التحدي الأكبر أمام اتفاق المصالحة المبدئي، ولن يقبل ذوو المعتقلين من أي طرف تجاهل معاناة أبنائهم، وتسويف الإفراج عنهم، خاصة وأنهم دفعوا ضريبة باهظة الثمن للانقسام، وحتى يقتنع الشارع بجدية فتح في إتمام المصالحة عليها أن تتخذ خطوات جريئة وعملية بالإفراج عن كافة الأسرى المحررين المختطفين في سجونها قبل التوقيع على الاتفاق النهائي حتى يشعر المواطنون بجدية حقيقية ورغبة وطنية بإنهاء الانقسام، وعلى السلطة أن تثبت أن القرار بيدها لا بيد قادة الأجهزة الأمنية الذين أفشلوا قبل ذلك محاولات استعادة الوحدة من خلال تكثيف حملات الاعتقال، وعلى حركة حماس أن تضع جدولاً نهائياً للإفراج عن كافة معتقليها بعد توقيع الاتفاق برعاية ومتابعة مصرية ولا تسمح بالتسويف والتبرير.
إن عائلة بلال التي قدمت الكثير تستحق منا الوقوف إلى جانبها وتخفيف مصابها لا زيادة جرحها وتعميقه، فمعظم أفراد العائلة يقبعون في سجون الاحتلال والباقون نزلاء دائمون في سجون السلطة، والسؤال.. أي عقلية تلك التي تملكها الأجهزة الأمنية وما هي فلسفتها التي تعمل بها عندما تتجرأ على اعتقال أسير محرر بعد أيام من الإفراج عنه.
ستظهر جدية السلطة في إتمام ملف المصالحة من خلال تعاطيها مع ملف المعتقلين السياسيين والإفراج عنهم، ومنع المتنفذين من إفشال جهود إنهاء الانقسام تحقيقاً لرغباتهم الذاتية وحفاظاً على مصالحهم الخاصة، وإلا سنعود لذات النقطة التي بدأنا منها.